من البرنامج الرمضاني.. ملزمة سَلْسِلَة دُرُوسٍ رَمَضَانَ (الدَّرْسُ النَّاسِع) سورة البقرة مِنَ الآيَةِ 185 إِلَى الْآيَةِ 214 (القسم الثالث) (الليلة الحادي عشر)
البيضاء نت | من هدى القرآن الكريم
تجد سهولة التشريع فيما يتعلق برسم حدود الله، عندما يقول هنا : ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) (البقرة (۱۸۷) هذه علامة واضحة لكل الناس في عبارة واحدة ثم أتموا الصيام إلى الليل ) (البقرة : ١٨٧) ألم ينته تحديد بداية الصيام وانتهائه ؟ بكل سهولة وبأسلوب يعرفه الناس، عندما نقول : نريد أن يقرأ الناس هو هذا ( المقرأ ) لكل الناس، هي هذه الآية، هذا هو (المقرأ ) هذا هو التعليم، وليس الكتاب الفلاني الذي هو هناك مليئ بمسائل كثيرة تضيع الحدود الحقيقية.
الله جعل الأشياء بالشكل الذي يستطيع الناس أن يفهموها ويميزوها، الناس يعرفون الليل ، هل يوجد أحد لا يعرف الليل؟ ويعرفون الفجر عندما يطلع الفجر: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبيضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ نور الفجر مع بقايا الليل : لهذا قال في الأخير: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنَ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ (البقرة: ۱۸۷) لأن التقوى أن يكونوا متقين يحتاجون إلى بيان فتكون الحدود بينة، فبينها ليتمكنوا من أن يتقوه ، يكونوا متقين.
قد تكون بعض الروايات غير صحيحة عندما يقولون: إن أحد الناس عمل له خيطاً أبيض وخيطاً أسود) القرآن عربي والناس عرب وهم فاهمون الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر (ثم قال: فنزلت مِنَ الفَجْر ) هذا ليس أسلوباً صحيحاً ، ينزل لك ربع أية أو فقرة من آية ، وهو هنا يقول كسنة لديه سبحانه وتعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ليس المقصود خيطاً أبيض وخيطاً أسود، تبقى في الشارع تراقب الخيوط وتنظر فيها حتى تظهر لك، أليست هذه قضية صعبة ودقيقة ؟ تحتاج آخر الليل تراقب متى يتميز لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود حتى قال لهم: مِنَ الْفَجْرِ وهنا اتضح لهم أن ذلك الخيط المعترض خيط الفجر الذي هو خيط أبيض مع بقايا الليل التي تبدو وكأنها خيط أسود.
عبارة كذلك هي توحي بسنة : أنه هكذا سنة الله ، أنه يبين آياته للناس لعلهم يتمكنون وبسهولة من معرفة حدوده، فيكونون متقين له ، ليست قضية عويصة على الناس أنه متى نفطر بالتحديد، وأخذ ورد، وأناس معهم روايات عند غروب الشمس عندما يسقط القرص أفطر، عندما تغرب أفطر، لا . هنا يقول: إلى الليل والليل معروف، في آيات أخرى هناك يبين أن الليل هو ظلام، أليس ظلاماً؟ الليل يتميز عن النهار تماماً : ﴿وَآيَةً لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُظْلِمُونَ ) (بس : ۳۷) .
ثم يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَامِ﴾ (البقرة : ١٨٨) هنا تجد تشريعات متعددة، وتوجيهات متعددة بعدما قدم هناك بتركيز كبير على موضوع : التسليم الله سبحانه تعالى
التسليم الله الذي معناه في الأخير تقبل هداه، والالتزام بهديه ، وهديه هو واسع يتناول مختلف الأشياء، فكما أنه هنا يشرع الصيام، هناك في جانب التقاضي فيما بين الناس، التقاضي في الأشياء التي يختلفون فيها، ينهاهم عن ماذا ؟ ينهاهم عن الرشوة أنت أدل بشهاداتك ، إذا معك شهادات أدل بشهاداتك ) أدل بوثائقك أدل بدعواك أو إجابتك ، لكن لا تدل بأموال، ولهذا سماها : ولا تدلوا : لأنها بدل عن الشهادة التي تدلي بها ، بدل عن الدعوى، بدل عن وثائق معينة تعطي فلوساً والحاكم سيلفق القضية، يحاول أن يجعل الحق لك. فعندما يكون نفس الحاكم قابلاً لأن يرتشي وأنت تعرف أنه كذلك فإنك تتجاوز حدود الله ، وتظلم نفسك أنت، قضية ينهى عنها الحاكم، وينهى عنها الناس المتقاضون.
وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِل ، فعندما أحاول عن طريق الرشوة أن أحصل على مال آخر فأنا أكلت ماله بالباطل، وفي الواقع كثير من العبارات في القرآن الكريم فيما يتعلق بموضوع المال : أن المال له دور اجتماعي المال هو مال الناس في الواقع ، أي : في حركة المال التي رسمها الله سبحانه وتعالى هي في الواقع تجعل المال وكأنه للكل : لهذا ربط مسؤوليات كثيرة بأصحاب رؤوس الأموال.
أليس هناك شرع الزكاة ، أوجب عليهم الزكاة ، أوجب عليهم الإنفاق في سبيله ، حرم عليهم أن يكنزوا أموالهم؟ بل يحركوها المال يجب أن يكون في دورة مستمرة في حركة . إذا كان لديك رصيد من الأموال فلا تتركها تتراكم أموالاً هناك بل شغلها، عندما تشغلها فأنت تثمرها وتشغل آخرين يعيشون معك فيها، هذه قضية هامة : ولهذا يأتي في كثير من الآيات بعبارة أموالكم : ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ ) لأن حركة المال هي بالشكل الذي في الأخير يبدو وكأنه مال الأمة . تأخذ من هذه أهمية ما يُسمى بالمال العام، الثروات الواردات العامة، أنها هامة جداً جداً في مسألة تحسين معيشة الناس، هامة جداً ؛ لأن النظرة الخاصة بالنسبة للمال لیست نظرة صحيحة من الناحية الاقتصادية، لا ينمو اقتصادك أنت لا ينمو مالك أنت – سواء كان بشكل تجارة، أو بشكل زراعة – إلا في إطار الحركة العامة للمال.
إذا سلم المال العام أمكن أن يكون هناك قدرة شرائية، وقدرة في مجال ماذا؟ حركة الناس، في تجارتهم وزراعتهم ، فتنهض رؤوس الأموال ، تنهض الأموال، وتكثر الأموال . إذا كان هناك اختلاس للأموال العامة تأتي كثير من الأعباء ، تضاف على الأموال الخاصة ، تضعف قدرة الناس الشرائية، وفي الأخير لا تدري إلا وصاحب الدكان عاطل عن العمل لا يوجد بيع وشراء، ذلك المزارع زرع وسقى وتعب وحصد أو جنى ثمار مزرعته ، وصل وإذا السوق كساد ؛ لأنه يحصل كثير من الأعباء ولهذا هم يعملون (جرع اقتصادية ) كما يسمونها ، أليست أعباء على الناس أنفسهم؟ كان المفروض الجرع الاقتصادية تكون على المسؤولين الكبار هم الذين عندهم رؤوس أموال كبيرة ، هم من ينبغي أن يتقشفوا قليلاً، يخففوا قليلاً، وليس أن يضيفوا . إذا كان هناك ديون على بعض البلدان تراها في الأخير تتحول إلى زيادة في الأسعار، ثم لا تدري إلا والسلعة قد زاد فيها مائة ريال، لا تدري إلا وفيها زيادة مائتي ريال، لا تدري إلا وفيها زيادة بنسبة ١٠٠% أو أكثر.
أليست ستضعف قدرة الناس الشرائية، ويصبحون في عذاب من الغلاء؟ لأن هناك تلاعباً بالأموال العامة وإلا فالأموال العامة نفسها ، واردات أي بلد وهذا من الأشياء الغريبة جداً في البلاد العربية بالذات ، تجد بلداناً فيها ثروات هائلة جداً، وعليها ديون كثيرة جداً، عليها ديون كثيرة بالمليارات مليارات الدولارات، لاحظ كيف ثرواتنا ليست بالشكل الذي يمكن أن يكفي حاجاتنا ؟ لا يوجد أناس يعرفون كيف يخططون حتى يستطيع أي شعب أن ينهض بنفسه دون أن يتحمل ديون مليارات الدولارات، اليمن نفسه يقولون عليه حوالي ثمانية مليارات دولار دين ! العراق كان عليه ما يقارب أربعين مليار دولار وعنده احتياطي نفط، عنده نفط كثير جداً،
عنده ثروات كبيرة جداً!
يوجد خلل بالنظام بشكل عام، في النظام الإداري، في التوظيف، خلل في التخطيط، خلل في استغلال الخيرات، خلل كبير في التعامل مع الله ؛ ولهذا تجد الناس ثرواتهم لم تعد تشكل شيئاً. ألم نصبح نحن عالة على الآخرين تقريباً في مأكلنا وفي ملبسنا ؟! حتى البلدان التي لديها ثروات هامة أصبحت عالة على الآخرين: مأكلنا ، ملبسنا ، أدويتنا الوسائل الضرورية والكمالية كلها من عند الآخرين من الخارج، ومع هذا تجد ديوناً كبيرة وثرواتنا أين؟ الثروة البحرية لليمن وحدها تكفي اليمن الثروة الهائلة في البحر، ساحل طويل عريض حوالي ألفي كيلو، البحر الأحمر، والبحر العربي ناهيك عن البترول والمعادن، وواردات كثيرة.
في مجال التقاضي قد يكون طبيعياً أن يختلف الناس، اختلاف التباس، مثلاً أنت تعتقد أن هذا لك والآخر
يقول : ليس لك إنه له . هذا طبيعي أن يتقاضى الناس ويتحاكموا على هذا النحو ، أي : الالتزام بأن لا أحد يُقدم رشوة، أما أن تأتي أنت تحاول أن تدعي ، وتظن بأنه فرصة عندما تسمع أن فلاناً ليس معه (وثيقة) على تلك الحاجة التي هو ثابت عليها ، فتحاول بأي طريقة أن تأخذ أمواله ، وأنت تدري – على أقل تقدير – أنت تعلم بأنها ليست لك سواء تعلم أنها له أو ليست له ؛ لأنه لا يجوز أن تحاول ببصيرتك بذكانك وبخبرتك ؛ لأنه قد أصبحعندك خبرة كيف تشاجر وقد أصبح عندك خبرة كيف تقدم دعاوى ووثائق وأشياء من هذه، هذا لا يجوز أبداً. البعض عندما يعرف أن صاحب الحق ليس لديه خبرة في المشاجرة، فيدفع به هذا إلى أن يبحث عن (شهادات ) ولو كانت زوراً، أو أحياناً يحلف يميناً فاجرة هذه خسارة كبيرة، وشهادة الزور واليمين الفاجرة من الكبائر.
يتقاضى الناس بسهولة ، يتشاجرون بسهولة ، وهم إخوان ، ويقتنعون من أول يوم ، ادعى وأجاب ، وقدم ما عنده ، إذا لم يثبت له شيء اقتنع ، الله لن يربط رزقك بتلك الخصلة ، أو يربط حياتك بها، أو يربط عزتك بها، أو يربط كل أمورك بها ، ربما لو كان في واقع الحال أنت مظلوم فيها أن الله قد يعوضك.
أحياناً بعضنا قد يغلطون في موضوع التقاضي، يتحول إلى عداوة بين الأسرة وبين المتشاجرين أنفسهم، ثم بين أولادهم وأقاربهم، وفي الأخير لا تدري إلا وقد صار هناك عداوات بأكثر من القضية، تكون القضية لم تعد تقريباً في الذهنية، قد صار هناك أشياء كثيرة، وقد صار هناك كلام واتهامات، يصبحون أعداء، قلوبهم مليئة بالعداوة والبغضاء لبعضهم البعض.
الرشوة خطورتها قد تفسد الحكام، إذا كان الحاكم لا يأخذ شيئاً لا من عندك ولا من عند ذاك ما الذي سيدفعه إلى أن يحاول أن يحكم حكماً باطلاً؟ أليست المسألة هنا ستدفعه إلى أن يحكم بما رأه من وجه الحق ؟ لكن إذا قد صار هناك رشوة فإنها تفسده، وخاصة إذا كان لديه أيضاً زوجة في البيت عندما سمعت أنهم قد عينوه حاكماً في مديرية كذا قد صار لديها طلبات تريد أثاثاً، تريد أن يشتري لهم سيارة جديدة، وتريد أن يبني لهم طابقاً فوق البيت، أو تريد بيتاً جديداً هناك يكون مثل بيت آل فلان، ويكون مع الحاكم ضغط داخلي من السهل معه أن يفسد ولو بدا في الصورة بأنه ملتزم لكن رأى مبالغ من خمسين ألف ، مائة ألف ، لا تدري إلا وقد أفسدوه نهائياً، ضغط من داخل بيته، وقلة إيمان في نفسه، وعمل المتشاجرين، رشاوى {لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}(البقرة: 188).
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،
دروس من هدي القرآن الكريم
من ((ملزمة سَلْسِلَة دُرُوسٍ رَمَضَانَ ( الدَّرْسُ النَّاسِع )سورة البقرة مِنَ الآيَةِ (185) إِلَى الْآيَةِ (214).))
ألقاها السيد/حسين بدرالدين الحوثي
الموافق: ٢٠٠٣/١١/٣ م
اليمن-صعدة