بين مفترق الطريق.. ثبات الموقف الحق

البيضاء نت | مقالات 

 

بقلم / عبدالمؤمن محمد جحاف

 

في محاضرته الرمضانية الثالثة عشرة لعام 1447هـ، يقدّم السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي “رعاه الله” قراءة عميقة في موقف نبي الله موسى عليه السلام، لا بوصفه حدثًا تاريخيًّا معزولًا، بل باعتبَاره نموذجًا حيًّا يُسقط على واقع الأُمَّــة اليوم، ويكشف معادلة الصراع بين الحق والطغيان في كُـلّ زمان.

 

مفترق الطريق.. حين يصبح القرار مصيريًّا

يركّز السيد القائد على لحظة مفصلية في حياة موسى عليه السلام؛ لحظة كان يمكن أن ينزلق فيها – ولو بخطأ غير مقصود – إلى مسار يغيّر طبيعة المواجهة.

كان همه أن لا يصدر عنه حتى خطأ غير متعمد يُستثمر ضده، لأن الطغاة يتربصون بكل تفصيل.

الفراعنة لم يتعاملوا مع موسى كحادثة عابرة، بل حسبوا لكل خطوة حسابًا، وقرأوا في شخصه مشروع مواجهة ممتد إن استمر.

وهنا تتجلى طبيعة الطغيان: خوف دائم من أي صوت حق، واستنفار كامل لإجهاضه مبكرًا.

وكان موسى بين خيارين لا ثالث لهما:

إما أن يتراجع، يعتذر، يسترضي السلطة، ويذيب موقفه في منظومة الفساد.

أو أن يثبت، ويُكمل الطريق، ويتحمل تبعات المفاصلة.

 

عهد مع الله.. لا رجعة فيه

جاء الحسم في قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾.

هذه الآية ليست مُجَـرّد دعاء، بل إعلان موقف وعهد.

موسى اعتبر أن دخوله في خط المواجهة مع المجرمين نعمة تستوجب الشكر، لا مأزقًا يستدعي التراجع.

الشكر هنا ليس لفظًا، بل ثبات عملي واستمرار في الطريق.

إنها قفزة وعي: أن ترى الموقف الحق نعمة، حتى وإن كلّفك الأمن أَو الاستقرار أَو الامتيَازات.

 

حملات اللوم.. سلاح الطغاة الناعم

ينتقل الخطاب إلى إسقاط معاصر بالغ الدلالة: في زمننا، تتكاثر حملات اللوم والتوبيخ والتشكيك عبر جيوش إعلامية وأقلام مأجورة، تستهدف المستضعفين والمؤمنين الذين اختاروا الموقف الحق.

الضغوط لا تأتي دائمًا في صورة تهديد مباشر؛ أحيانًا تُغلّف بخطاب سياسي ناعم، أَو بنبرة “نصيحة” ظاهرها الحرص وباطنها تثبيط العزائم.

لكن القاعدة التي يؤسس لها السيد القائد واضحة:

إذا كنت في الموقف الذي يخدم دين الله وقضية عادلة، فلا تمنح لوم اللائمين قيمة تهزك.

 

اعتزاز لا ندم

من أخطر ما قد يتسلل إلى النفس الشعور بالندم على خسارة وضع سابق أَو مكسب مادي.

بينما المنهج القرآني يربّي المؤمن على الاعتزاز بالموقف الحق، لأنه يعبر عن انشداد عميق نحو الله.

الوعي بقيمة الموقف هو الذي يرفع منزلة الإنسان عند الله، لا حسابات الربح والخسارة الدنيوية.

وهنا يعيد الخطاب تعريف “النعمة”: ليست المنصب ولا الراتب ولا المكاسب، بل التوفيق للثبات في معركة الحق، لما في ذلك من تزكية للنفس ورفعة للقدر.

 

من يخدم المجرمين.. شريك في الجريمة

يتوسع التحليل ليشمل دائرة المسؤولية الأخلاقية:

قوى الإجرام – في كُـلّ عصر – لا تعمل وحدها، بل تستقطب من يخدمها أمنيًّا أَو إعلاميًّا أَو سياسيًّا أَو ماليًّا.

وكل شكل من أشكال التأييد أَو التبرير يُدخل صاحبه في دائرة الشراكة المعنوية في الجريمة.

أن من يتعاون إعلاميًّا مع العدوّ الإسرائيلي بالتشويش والتثبيط أَو الطعن في موقف الحق، إنما يشترك معه في جرائمه.

فالمعركة ليست عسكرية فحسب، بل معركة وعي وموقف.

التحذير القرآني صارم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أولياء…﴾

ليؤكّـد أن القرآن يضع سياجًا حاميًا يمنع المؤمن من الانزلاق إلى الولاء للمجرمين، مهما كانت المبرّرات.

حسم موسى خياره، ودخل مرحلة جديدة أكثر حساسية وخطورة، وهو مدرك تمامًا لما ينتظره.

وهذا – في رؤية السيد القائد – هو جوهر الإيمان الواعي: أن تختار الطريق وأنت تعرف تكلفته، لكنك ترى ما عند الله أعظم.

المحاضرة في مجملها لا تقف عند حدود السرد القرآني، بل تحوّله إلى بُوصلة سياسية وأخلاقية:

الثبات على الموقف الحق نعمة، والاعتزاز به عبادة، والتراجع عنه خسارة مهما بدا في ظاهره مكسبًا.

إنها دعوة إلى إعادة تعريف النصر والهزيمة، والنعمة والخسارة، والولاء والمفاصلة.. وفق ميزان القرآن لا حسابات الطغاة.