القصص القرآني نصرة المستضعف
البيضاء نت | مقالات
بقلم / طاهر حسن جحاف
يواصل السيد القائد حديثه عن قصة نبي الله موسى عليه السلام، مستعرضًا قول الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أقصى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾.
وهي محطة مهمة تكشف طبيعة الصراع بين الحق والباطل، وبين المستضعفين والمستكبرين.
لقد كانت حادثة قتل موسى للرجل القبطي نتيجة وقوفه إلى جانب رجلٍ مستضعف، وكان موقفه في نصرة المظلوم موقفًا صحيحًا في أصله؛ إذ لم يكن يقصد القتل، وإنما أراد دفع الظلم.
غير أن الحادثة شاعت في المدينة، وأصبحت ذريعة يتخذها الملأ للتآمر عليه.
والمشهد يتكرّر حينما يستصرخه في اليوم التالي ذلك الذي استنصره بالأمس، طالبًا منه النجدة من أحد المستكبرين.
فيتدخل موسى مرة أُخرى لنصرة المظلوم، لكن ذلك المستكبر يواجهه بقوله: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾، في محاولة لتشويه موقفه وإظهاره بمظهر المعتدي.
تكشف هذه الأحداث عن نفسية موسى عليه السلام، فقد كان حريصًا على تخليص المستضعفين، مدفوعًا بإحساس عالٍ بالمسؤولية تجاه المظلومين.
لكنه في الوقت ذاته أدرك أن نصرة الحق تحتاج إلى وعيٍ وانضباط، ولذلك قال لذلك الرجل: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾، مُشيرًا إلى أن بعض المظلومين قد يسيئون التقدير أَو يندفعون بغير حكمة، مما يوقع الناصر لهم في مواقف حرجة.
وهكذا يتكرّر المشهد في كُـلّ زمان: يقف أولياء الله والصالحون إلى جانب المستضعفين، لكن بعض الأتباع قد لا يلتزمون بإطار العدل والحق، ويسعون وراء مصالحهم الخَاصَّة، فيختلط الحق بالخطأ، وتتعقد المواقف.
ومع ذلك، لم يكن أحد أحرص على خلاص المستضعفين من موسى عليه السلام.
فرغم توبيخه لذلك الرجل، لم يتخلَّ عنه، بل نصره ودافع عنه في مواجهة المستكبر.
وفي ذلك درس عظيم: أن نصرة المظلوم واجب، لكنها تحتاج إلى بصيرةٍ وحكمة، حتى لا تتحول إلى سببٍ في تعقيد القضية أَو إضعاف الموقف.
إنها رسالة تؤكّـد أن طريق الحق محفوف بالتحديات، وأن الوقوف مع المستضعفين مسؤولية عظيمة تتطلب وعيًا وعدلًا وثباتًا.