صفات المنافقين وخطرهم على تماسك الأُمَّــة
البيضاء نت | مقالات
بقلم / شاهر أحمد عمير
منذ فجر الإسلام شكّل المنافقون خطرًا داخليًّا على الأُمَّــة الإسلامية لا يقل شأنًا عن خطر الأعداء الظاهرين، بل قد يكون أخطر في كثير من الأحيان؛ لأن العدوّ الخارجي معروف في عدائه ومكشوف في مواقفه، بينما يتخفّى المنافق خلف شعارات الانتماء للأُمَّـة ويتحدث أحيانًا باسم الدين أَو المصلحة العامة، لكنه في الحقيقة يعمل على إضعاف الصف الداخلي وزرع الشكوك وإرباك المواقف.
ولهذا أفرد القرآن الكريم مساحة واسعة للحديث عن المنافقين وكشف صفاتهم حتى يكون المؤمنون على وعي بخطرهم.
وقد بيّن القرآن الكريم أن من أبرز صفات المنافقين موالاة أعداء الأُمَّــة وتبرير ذلك بأسماء مختلفة مثل الواقعية السياسية أَو الحفاظ على المصالح.
غير أن القرآن يفضح هذه الذرائع ويكشف حقيقتها، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أولياء ۘ بَعْضُهُمْ أولياء بَعْضٍ﴾، وقال أيضًا: ﴿تَرَى كَثيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
فالعزة الحقيقية للأُمَّـة لا تكون بالارتماء في أحضان أعدائها، بل بالاعتماد على الله والثبات على الحق.
ومن صفاتهم كذلك المخادعة والاستهتار بأوامر الله، حَيثُ يتعاملون مع الدين بوصفه مظهرًا اجتماعيًّا لا حقيقة إيمانية.
وقد وصفهم القرآن بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ۖ وَإذَا قَامُوا إلى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، فهم يظهرون الإيمان بألسنتهم بينما تخلو قلوبهم من الصدق والإخلاص.
ولا يقف خطر المنافقين عند حدود السلوك الشخصي، بل يمتد إلى إضعاف الأُمَّــة في المواقف المصيرية.
فهم يسعون دائمًا إلى تثبيط الهمم ونشر الخوف والتشكيك في جدوى المواجهة، وقد أشار القرآن إلى هذا الدور التخريبي بقوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾، حَيثُ يعملون على تعطيل طاقات الأُمَّــة وإرباك صفوفها في اللحظات التي تحتاج فيها إلى التماسك والصمود.
ومن أخطر مظاهر النفاق أَيْـضًا تشويه صورة المجاهدين والمقاومين الذين يدافعون عن كرامة الأُمَّــة وحقوقها، ومحاولة تصويرهم على أنهم سبب الأزمات والحروب، بينما يتم التغاضي عن جرائم الاحتلال وعدوانه.
وقد عبّر القرآن عن هذا الموقف بقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَٰؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾، في إشارة إلى محاولاتهم التقليل من شأن الثبات على الحق والتشكيك في جدوى التضحية؛ مِن أجلِ المبادئ.
وإذا نظرنا إلى واقع الأُمَّــة اليوم نجد أن هذه الصفات التي كشفها القرآن قبل قرون ما زالت تتكرّر بأشكال مختلفة.
ففي الوقت الذي تتعرض فيه شعوب المنطقة لاعتداءات متكرّرة من قبل العدوّ الإسرائيلي والدعم الأمريكي له، تظهر أصوات من داخل الأُمَّــة تسارع إلى تبرير جرائم هذا العدوّ أَو التقليل من خطورتها، بل وتهاجم كُـلّ من يقف في مواجهته، في محاولة لصرف الأنظار عن العدوّ الحقيقي وإشغال الأُمَّــة بصراعات داخلية.
إن القرآن الكريم حين تحدث عن المنافقين لم يكن يقصد مرحلة تاريخية محدّدة، بل قدّم درسًا دائمًا للأُمَّـة في كُـلّ زمان.
فالمواقف الصعبة تكشف معادن الرجال، وتُظهر الفرق بين من يثبت على الحق ومن يتراجع تحت ضغط الخوف أَو المصالح.
وقد توعّد الله المنافقين بعاقبة شديدة فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾.
وفي ظل التحديات التي تواجه الأُمَّــة اليوم، تصبح الحاجة ملحّة إلى وعي عميق يميّز بين الموقف الصادق والموقف المتخاذل، ويعيد للأُمَّـة ثقتها بقيمها ومبادئها.
فالأمم التي تتمسك بوحدتها وتستجيب لقول الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جميعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ قادرة على تجاوز التحديات والحفاظ على كرامتها ومكانتها بين الأمم.