ليلة القدر الدامية.. كيف أغرق اغتيال أسد الله الأمة في بحر من الشقاء والفتن؟

البيضاء نت | تقرير محسن علي 

تتزامن فاجعة ذكرى استشهاد الإمام علي ابن ابي طالب”رضوان الله وسلامه عليه” مع أعظم الليالي، ليلة القدر من شهر رمضان المبارك، وفي كل عام تقف الأمة الإسلامية مرة أخرى على أعتاب مصابها الجلل بفقدان أمير المؤمنين، فارس بدر وحنين، وباب مدينة علم النبي، الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام), هذا التقرير لا يسعى فقط إلى سرد وقائع الفاجعة التي أدمت قلب الإسلام في محراب مسجد الكوفة، بل يغوص في أعماق دلالاتها، مستنطقاً جذور الانحراف الذي أفضى إلى هذه النهاية المأساوية، ومستلهماً الدروس والعبر لواقع أمة لا تزال تبحث عن بوصلة المسار القويم.

فاجعة المحراب.. ضربة سيف هزت أركان الوجود

لم تكن ضربة عبد الرحمن بن ملجم (لعنه الله) على رأس الإمام علي (عليه السلام) وهو يصلي فجر التاسع عشر من رمضان، مجرد اعتداء على فرد، بل كانت، كما وصفتها الأحاديث النبوية، فعل “أشقى الأشقياء” الذي لم يغتل شخص الإمام فحسب، بل أغرق الأمة في بحر من الشقاء والفتن, بل لقد كانت تلك الضربة إيذاناً ببدء عصر جديد من الظلام، حيث تم استهداف الرمز الأبرز للعدالة والعلم والتقوى بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله), إن تحليل أبعاد هذه الحادثة يكشف أنها لم تكن وليدة لحظتها، بل كانت النتيجة الحتمية لتراكمات طويلة من الانحراف عن النهج الذي خطه النبي محمد وأراد له أن يستمر من بعده حتى قيام الساعة.

الانحراف الكبير.. من السقيفة إلى الكوفة

لفهم عمق المأساة، لا بد من العودة إلى الوراء، إلى اللحظات الأولى التي تلت وفاة خاتم الأنبياء  وسيد المرسلين, يوضح الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي سلام الله عليه كيف أن إقصاء الإمام علي رضوان الله عليه عن موقعه الطبيعي في قيادة الأمة بعد رسول الله، والذي نصت عليه الأحاديث النبوية مراراً وتكراراً مثل حديث الغدير (“من كنت مولاه فهذا علي مولاه”)، كان بمثابة الشرخ الأول في جدار الوحدة الإسلامية, هذا الإقصاء الممنهج، الذي بدأ في السقيفة واستمر عبر عهود متعاقبة، خلق حالة من الابتعاد عن المصدر الحقيقي للفهم الديني والقيادة الربانية، مما مهد الطريق لظهور أفكار متطرفة وتيارات منحرفة، كانت نهايتها الطبيعية هي استباحة دم ولي الله في محرابه.

قرين القرآن.. لماذا استُهدف علي؟

“علي مع القرآن، والقرآن مع علي، لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض” هذا الحديث النبوي الشريف لم يكن مجرد مدح، بل كان تعريفاً دقيقاً لهوية الإمام علي ومكانته, ولقد كان هو التطبيق العملي للقرآن، والفهم العميق لآياته، والامتداد الطبيعي للنهج النبوي’ ولذلك، فإن استهدافه لم يكن استهدافاً لشخصه، بل كان استهدافاً للمنهج الذي يمثله: منهج العدل المطلق، والعلم الذي لا ينضب، والزهد في الدنيا، والإخلاص التام لله, لقد أرادوا باغتياله أن يطفئوا نور الله، ولكن الله متم نوره ولو كره الكافرون.

دروس من الدماء.. ما الذي يجب أن نتعلمه اليوم؟

إن إحياء ذكرى استشهاد الإمام علي لا يكتمل بالدموع والنحيب فقط، بل باستلهام الدروس والعبر لواقعنا المعاصر, هذا النص يدعونا إلى وقفة تأمل جادة: لماذا سقط الصادقون والمخلصون شهداء في هذه الأمة، بينما تسلط عليها المنحرفون والفاسدون؟ الجواب يكمن في الابتعاد عن “سلامة الدين” التي كانت أولوية الإمام القصوى, وهو درس بليغ لنا اليوم بأن نضع المبادئ فوق المصالح، والوحدة فوق الفرقة، والعودة إلى الأصالة المتمثلة في القرآن والعترة الطاهرة لتصحيح مسارنا.

خاتمة

في كل عام، تأتي ذكرى استشهاد الإمام علي  لتكون محطة لمراجعة الذات، وتقويم المسيرة، وشحذ الهمم وتجديد البيعة والولاية للإمام علي عليه السلام, كما أنها تعتبر دعوة متجددة للتمسك بنهج العدل والعلم والوحدة الذي عاش من أجله واستشهد في سبيله, فلتكن دماؤه الزكية التي سالت في محراب الكوفة منارة تضيء لنا دروب العزة والكرامة، وصرخة مدوية في وجه كل ظالم ومنحرف سيما وأن الأمة اليوم في مواجهة مباشرة مع الشيطان الأكبر المتمثل بأمريكا وربيبته الغدة السرطانية إسرائيل، وتذكيراً دائماً بأن طريق الحق قد يكون صعباً، ولكنه الطريق الوحيد الذي يؤدي إلى “فُزت ورب الكعبة” وهي منهجية فوز يفوز من سار عليها.