مضيق هرمز.. حيث تُرسم خرائط القوة قبل أن تُشعل الحروب
البيضاء نت | مقالات
بقلم / هاشم عبدالجليل جحاف
في قلب الخليج، حَيثُ يضيق البحر وتتسع الحسابات، يقف مضيق هرمز بوصفه أحد أخطر المفاصل الجيوسياسية في العالم؛ ممرٌّ مائيٌ ضيق في الجغرافيا، واسعٌ في تأثيره على الاقتصاد والسياسة الدولية.
ومن هنا، لا يمكن فهم سياسات دونالد ترامب تجاه إيران بمعزل عن هذا الشريان الحيوي الذي تمر عبره نسبة ضخمة من طاقة العالم.
الجغرافيا التي تصنع السياسة
ليست كُـلّ الصراعات وليدة الأيديولوجيا، ولا كُـلّ المواجهات تُختزل في الشعارات المعلنة.
فخلف خطاب النووي وحقوق الإنسان، تكمن حقيقة أكثر صلابة: الجغرافيا.
إيران، بإطلالتها المباشرة على المضيق، لا تملك مُجَـرّد حدود بحرية، بل تمتلك مفتاحًا يتحكم في تدفق ما يقارب خُمس النفط العالمي ونسبة كبيرة من الغاز الطبيعي المسال.
هذه الحقيقة تجعلها لاعبًا لا يمكن تجاوزه في معادلة الطاقة.
هرمز.. شريان الاقتصاد العالمي
حين يمر النفط من هرمز، لا يعبر الماء فقط، بل تعبر معه استقرار الأسواق، وهدوء البورصات، ونبض الاقتصاد العالمي.
أي تهديد، ولو محدود، لحركة الملاحة في هذا المضيق، كفيل بإشعال أسعار الطاقة، وخلق موجات ارتدادية تمتد من وأمريكا إلى الصين.
لهذا، يصبح أمن المضيق ليس قضية إقليمية فحسب، بل مصلحة دولية عليا.
لماذا يهم ذلك لواشنطن؟
أمريكا؛ باعتبَارها قوة عظمى، لا تنظر إلى هرمز كمعبر جغرافي فقط، بل كأدَاة نفوذ.
سياسات إدارة ترامب، خَاصَّة في سياق الضغط الأقصى، سعت إلى تقليص قدرة إيران على استخدام موقعها كورقة قوة، ومحاولة إعادة تشكيل معادلة أمن الطاقة بما يضمن تدفق الموارد دون تهديد أَو ابتزاز جيوسياسي.
لكن المفارقة أن هذا الهدف يصطدم بحقيقة ثابتة:
إيران ليست دولة هامشية يمكن تجاوزها، بل عقدة جغرافية يصعب فكّها دون كلفة عالية.
توازن الردع.. حين تتكلم الجغرافيا
تمتلك إيران أدوات ضغط تتجاوز القدرات العسكرية التقليدية؛ فمُجَـرّد التلويح بتعطيل الملاحة في هرمز كفيل بإرباك الأسواق العالمية.
وهنا تتجلى معادلة معقدة:
لا حرب شاملة ممكنة دون مخاطر اقتصادية كبرى، ولا استقرار دائم دون أخذ مصالح إيران بعين الاعتبار.
الحقيقة التي تتكشف تدريجيًّا أن الصراع حول هرمز ليس صراعًا معلنًا بقدر ما هو حرب نفوذ صامتة.
الولايات المتحدة تسعى لضمان تدفق الطاقة تحت مظلتها، وإيران تسعى لتكريس موقعها كحارس لا يمكن تجاهله.
وبين هذا وذاك، يبقى المضيق مسرحًا مفتوحًا لكل احتمالات التصعيد والاحتواء.
الجغرافيا تختصر كُـلّ شيء
في عالم تحكمه المصالح قبل الشعارات، يظل مضيق هرمز مثالًا حيًّا على أن الجغرافيا قد تكون أبلغ من السياسة، وأقوى من الخطابات.
فمن يسيطر على هذا الممر، لا يملك مُجَـرّد نقطة على الخريطة، بل يمسك بخيطٍ دقيقٍ يصل بين أمن الطاقة العالمي وتوازن القوى الدولية.
ومن هنا، لم يكن اهتمام ترامب بالمضيق تفصيلًا عابرًا، بل انعكاسا لحقيقة كبرى بأن من يملك هرمز.. يملك القدرة على التأثير في العالم.