عندما يلتقي الموقع بالاستراتيجية.. قراءة في دلالات دخول اليمن المعركة
البيضاء نت | مقالات
بقلم/ عبدالرحمن حسين العابد
لم يكن دخول اليمن، المعركة إلى جانب إيران وحزب الله وفصائل المقاومة العراقية مجرد “فتح جبهة” جديدة، بل يمثل لحظة تحول كبرى تعيد تعريف موازين القوة في المنطقة.
إدارة مسرح العمليات بذكاء استراتيجي
في قراءة دقيقة للتمايز في الخطاب اليمني، تظهر قيادة أنصار الله وهي تتعامل مع مسرح العمليات بذكاء استراتيجي واضح.
ففي خطاب اليوم الوطني للصمود، أكد السيد عبدالملك أنهم “اكتفوا” بإيصال الرسالة لدول الجوار، مستخدماً عبارة “نكتفي بذلك” التي تحمل دلالة واضحة على الانتقال إلى مرحلة التفرغ للعدو الأساسي.
أما بيان القوات المسلحة الذي أعلنه العميد يحيى سريع، فقد أعلن رفضاً قاطعاً لتشكيل أي تحالفات جديدة ضد إيران، محذراً بالقول: “لن نسمح بأن يتكرر ما حصل عندما تحالفوا على اليمن”.
بهذا التقسيم، تُحيّد دول الجوار عن الصراع، وتُحول المعركة إلى مواجهة مباشرة مع أمريكا وإسرائيل، فيما تتحول المنطقة والعالم إلى ساحة ممنوعة لأي تحالف إقليمي أو دولي جديد.
دور ترسانة أنصار الله في المعركة الراهنة ليس استبدالاً للترسانة الضخمة الإيرانية، بل تجسيداً لـ”ورقة استنزاف” متعددة الأبعاد. قيمتها لا تُقاس بالحجم، بل بـ”العبقرية التكتيكية”.
فبإطلاق الصواريخ والمسيّرات (بغض النظر عن عددها)، تُربك حسابات التكلفة العسكرية عبر استنزاف صواريخ اعتراضية باهظة الثمن. ومع موقعهم الجغرافي الاستراتيجي على مضيق باب المندب والتلويح بإغلاقه في حال استدعى الأمر ذلك، يتحوّل الاقتصاد إلى ورقة ضغط عالية الكلفة، تجعل العدو يفكر ألف مرة قبل الإقدام على أي خطوة حمقاء.
كما أن فتح جبهة جنوبية جديدة يُربك الحسابات الجيوسياسية ويُجبر الخصم على تشتيت جهوده بين أربع جبهات: اليمن جنوباً، ولبنان شمالاً، وإيران والعراق شرقاً، وغزة في القلب.
إحياء قضية غزة وكسر “الاتفاق الهش”
اليمن صاغ هويته العملياتية على مدار أكثر من عامين حول ‘إسناد غزة’، ما جعل استمرار الخروقات الإسرائيلية لاتفاق ‘وقف إطلاق النار’ بمثابة استدعاء تلقائي للجبهة اليمنية.. خصوصاً أنه سبق لهم ربط عودة عملياتهم باستمرار أو عودة العدوان على القطاع.
فالتقارير الميدانية تؤكد استمرار القصف الإسرائيلي والاغتيالات بشكل شبه يومي، وهو ما دفع الناطق باسم حماس إلى توجيه رسالة شديدة اللهجة للوسطاء تطالب بإجبار إسرائيل على وقف انتهاكاتها.
في هذا السياق، يأتي التحرك العسكري لأنصار الله ليعيد القضية الفلسطينية إلى الواجهة بعد محاولات إعلامية لطيها، بهدف تحويل الصراع من اتفاق هش إلى معادلة ردع مفتوحة.
تذكير أمريكا بفشل البحر الأحمر
يمثل دخول اليمن المعركة في هذا التوقيت تذكيراً استراتيجياً لواشنطن بفشلها العسكري في تحقيق أهدافها خلال مواجهة البحر الأحمر سابقاً.
“وحدة الساحات”.. تعزيز الموقف التفاوضي كورقة جماعية
دخول اليمن المعركة يمنح محور المقاومة ورقة تفاوضية نوعية تغير معادلة أي تسوية مستقبلية.
فقبل فتح الجبهة اليمنية، كانت المفاوضات (سواء النووية الإيرانية، أو التهدئة في لبنان، أو غزة، أو مع الفصائل العراقية) تجري بشكل منفصل. ما مكن واشنطن من ممارسة ضغط مركّز ضد كل طرف على حدة.
أما اليوم، ومع وحدة الساحات، فإن أي اتفاق لا يمكن أن يكون جزئياً أو منفرداً؛ إذ باتت الجبهات (غزة، لبنان، اليمن، العراق) مرتبطة بمنطق واحد: “النار للنار، والتهدئة للجميع”. وربط مصير فلسطين بمعادلة الردع.
هذا الأمر يعيد تعريف القوة في المنطقة، حيث لم تعد حكراً على دول أو جيوش أو تحالفات دولية بعينها، بل أصبحت ترتكز بالقدرة على فرض الوقائع الميدانية كمعيار أساسي.