طموح أعمى.. حين يتحول طلب العلو إلى طريق للهلاك
البيضاء نت | مقالات
بقلم / عبدالله عبدالعزيز الحمران
في زمنٍ تختلط فيه المفاهيم، لم يعد الطموحُ عند البعض وسيلةً للبناء، إنما غاية تُبرّر كُـلّ وسيلة، حتى وإن كانت على حساب الدين، أَو كرامة الناس، أَو حقوقهم.
نفسيةٌ مريضةٌ ترى في العلو غايةً مطلقة، لا تبالي إن صعدت على أكتاف المظلومين، أَو عبرت فوق قيم الحق والعدل.
هذا النموذج من الناس لا ينظر إلى المنصب كأمانة، بل كغنيمة، ولا يرى في المسؤولية تكليفًا، بل تشريفًا زائفًا يُشبع به غروره.
يركضون خلفَ الكراسي ركضًا محمومًا، يتلوَّنون بحسب المصلحة، ويبيعون مبادئَهم بثمنٍ بخس، وكل همّهم أن يصلوا.. ولو كان الثمن دينهم.
لكن القرآن وضع الميزان بوضوحٍ لا لبس فيه، حين قال الله تعالى: {تِلۡكَ ٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ نَجۡعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فَسَادٗاۚ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِينَ}.
إنها قاعدة إلهية فاصلة: من طلب العلو لنفسه، وأراد السيطرة والهيمنة بغير حق، فليس له في الآخرة نصيبٌ من الكرامة؛ لأن العلو الحقيقي ليس في المناصب، بل في التقوى، وليس في السيطرة على الناس، بل في العدل بينهم.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة؛ فهؤلاء الذين يسعَون لبلوغ القمة بأية وسيلة، ينسون أن هذا “العلوَّ” زائلٌ لا محالة.
المناصب تُسلب، والجاه يتبدد، والسلطة تنقلب، ولا يبقى للإنسان إلا عمله.
كم من متسلطٍ ظن أنه بلغ المنتهى، فإذا به يسقط في لحظة، ويُذكر بسوء، ويُلعن في ذاكرة الشعوب.
إنها نفسية قصيرة النظر، تعيش للحظة، وتغفل عن العاقبة.
تظن أن الوصول هو النهاية، بينما الحقيقة أن الوصول بداية الحساب.
وأن كُـلّ ظلمٍ سيُقتصّ، وكل حقٍّ سيُسترد، يوم لا ينفع منصب ولا جاه.
وفي المقابل، يرفع الله أقوامًا لم يطلبوا العلوَّ، ولم يسعَوا للفساد، بل أرادوا الحق فثبتوا عليه، وخدموا الناس بإخلاص، فجعل الله لهم القبول في الأرض، وكتب لهم الأجر في السماء.
الدرس واضح: ليس كُـلّ صعودٍ نجاحًا، وليس كُـلّ منصبٍ كرامة.
الكرامة الحقيقية أن تبقى على دينك، وأن تلقى الله نظيف اليد، طاهر القلب، غير ملوّثٍ بظلم العباد.
فليحذرْ من باع آخرته بدنيا غيره، ومن جعل الطموح سُلّمًا للفساد.. فإن العاقبة للمتقين، لا للمتسلقين.