هذيان “الرجل المجنون” وثبات الجغرافيا
البيضاء نت | مقالات
بقلم / مبارك حزام العسالي
حين يخرج المختل ترامب موجِّهًا أقذعَ الألفاظ وأكثرَها فجاجة، مطالبًا بفتحِ “المضيق اللعين” أَو مواجهة “الجحيم”، فإنه لا يمارسُ سياسةً دولية بمفهومها الرصين، إنما يمارس حالةً من الهذيان العلني الذي يعكس إفلاسَ “الإمبراطورية” المتغطرسة.
هذا “المعتوه” المتلون – كما تصفه تقلبات تصريحاته التي تتغير عشرين مرة في الساعة الواحدة – يظن أن الجغرافيا التاريخية تنحني أمام التغريدات الانفعالية، وأن مصائر الشعوب تُقرّر في ردهات نوادي القمار التي أدمن إدارتها.
لكن الحقيقة التي يتجاهلها ساكن البيت الأبيض، ومن يدور في فلكه من أنظمة “التبعية” التي رهنت قرارها للخارج، هي أن منطقتنا لم تعد تحتمل “جحيمًا” إضافيًا؛ فقد استوطن الحريق في ديارنا منذ اللحظة التي قرّرت فيها واشنطن تحويل الشرق الأوسط إلى “مختبر للحروب” وساحة لتفريغ الأزمات الاقتصادية والعسكرية لشركات السلاح.
فاتورة الدم: من “عاصفة الصحراء” إلى “إبادة غزة”
إن ما يهدّد به ترامب اليوم من ضربات لإيران أَو تصعيد عسكري شامل، ليس إلا حلقة جديدة في سلسلة سوداء بدأت منذ غزو الكويت عام 1990، منذ ذلك الحين، والمنطقة تدفع ضريبة “الهيمنة” من دماء أبنائها وثروات أجيالها.
مررنا بحرب الخليج التي كانت فاتحة التمزيق، ثم غزو العراق الذي دمّـرت فيه الدولة تحت أُكذوبة “الديمقراطية”، وُصُـولًا إلى الحرائق المشتعلة في سوريا واليمن، وانتهاء بـ “حرب الإبادة” النازية في غزة، حَيثُ تُباد الأسر بسلاح أمريكي وضوء أخضر من إدارة لم تشبع بعد من دماء العرب والمسلمين.
الحصيلة منذ عام 1990 وحتى اليوم مرعبة بكل المقاييس؛ نحن نتحدث عن قرابة مليوني قتيل، وخسائر مادية تتجاوز 7 تريليونات دولار. هذه الأرقام ليست مُجَـرّد إحصائيات، بل هي مدن كانت منارات للحضارة فتحولت إلى ركام، ومجتمعات مُزقت إربًا لخدمة أمن الكيان الإسرائيلي وضمان تدفق النفط بأبخس الأثمان.
لذا، حين يهدّد ترامب بـ “الجحيم”، فهو ينسى – أَو يتناسى – أننا نعيش في قلب هذا الجحيم منذ ثلاثة عقود بفضل سياسات بلاده.
هرمز.. والرد الإيراني: انكسار منطق “البلطجة”
على وقع التهديدات الأمريكية بضرب محطات الطاقة والجسور وتحديد “مهلة الثلاثاء،” كحد فاصل، جاء الرد من طهران عبر وكالة “إيرنا” ليعيد الاعتبار لمنطق “الدولة” في مواجهة منطق “العصابة”.
الرفض الإيراني لوقف إطلاق النار “المؤقت” هو صفعة لسياسة المهدئات التي تحاول واشنطن من خلالها حماية ربيبتها (إسرائيل) وتأمين مصالح حلفائها المهتزة.
إيران لم تكتفِ بالرفض، بل رفعت سقف المطالب لتشمل:
• إنهاء الحرب بشكل دائم وشامل: رفضًا لسياسة “تجزئة الصراعات” التي تبرع فيها واشنطن.
• بروتوكول المرور الآمن في هرمز: تأكيدًا على أن السيادة على الممرات المائية هي حق لأهل الأرض، وليست منحة من بوارج المعتدي.
• رفع العقوبات وإعادة الإعمار: وهي مطالبة قانونية وأخلاقية بدفع ثمن “الإرهاب الاقتصادي” الذي مارسته واشنطن لسنوات.
الموت ليس طارئًا بل “نمط مستقر”
إن أي محلل سياسي رصين لا يمكنه الوثوق بتصريحات ترامب لبناء تحليل استراتيجي، فكلامه “فقاعات” تذوب في هواء التقلب السياسي.
لكن ما يمكن الوثوق به هو أن “الموت قد مر كَثيرًا من هنا”، واستوطن في مدننا وقرانا حتى صار جزءًا من الهوية اليومية. الكارثة في منطقتنا لم تعد “حدثًا طارئًا” ننتظر نهايته، بل أصبحت، للأسف، نمطًا مستقرًا ومعادلة ثابتة تفرضها الإمبراطورية المتداعية.
السؤال المشروع الذي يفرضه الواقع: لماذا تستمر أمريكا في هذا التصعيد رغم يقينها بأنه يحرق مصالح أنظمتها التابعة؟ الإجَابَة تكمن في طبيعة “العقل الإمبراطوري” الذي يرى الحلفاء مُجَـرّد “أدوات وظيفية” تنتهي صلاحيتها بانتهاء المهمة.
غدًا، قد تنفجر قنبلة أُخرى، لكنها لن تغير من حقيقة أن منطقتنا قرّرت أخيرًا أن تواجه “جحيم” واشنطن بثبات الجغرافيا وحق الشعوب في تقرير مصيرها، بعيدًا عن تغريدات “المجانين” وتهديدات “المعتوهين”.