حقود مستكبر، رفض الأمر الإلهي بالسجود للمخلوق الذي اصطفاه الله وكرمه على سائر المخلوقات ليكون خليفته على هذه الأرض، فكانت العاقبة أن حلت عليه اللعنة الأبدية، لكن لم تكن تلك هي النهاية؛ فيأخذ صاحبها العبرة مما حصل، بل زاد حقداً وحسداً على أبي البشرية آدم عليه السلام، فأقسم على غواية كل البشر إلا المخلصين منهم، فبدأ منذ المراحل الأولى للحياة على هذه الأرض بممارسة الغواية والإضلال، حتى تمكن بخبثه ومكره من إخراج أبينا آدم وزوجه من ذلك النعيم الذي كان يحفهما من مختلف نواحي حياتهما، لتبدأ بعد ذلك رحلة العناء والشقاء لآدم وذريته. نسي آدم عليه السلام تحذيرات المولى عز وجل له من ذلك العدو اللدود الذي أقسم على غوايته وذريته، فكانت تلك العاقبة المؤلمة والمأساوية، تاب آدم وأناب، لكنه فقد ذلك النعيم العظيم، ليتجرع بعد ذلك مرارة الكد والتعب والنصب الذي ورثه أبناؤه من بعده. قصة مؤلمة تحمل بين طياتها الكثير من الدروس والعبر لا يعقلها إلا ذوو الألباب، الذين اختاروا طريق الخير والنجاة، وأعرض عنها من اختاروا طريق الخسارة والحرمان، رغم ما سطره لنا التاريخ على صفحاته من القصص والوقائع التي تدفع الإنسان إلى الحذر من مزالق الشيطان حتى لا يحل به ما حل بمن سبقه من الضالين.
وهكذا يظل الشيطان امتداداً لخط الشر، بسعيه الدؤوب لضم أكبر عدد من أبناء آدم إلى معسكره للقيام بأعمال الشر وممارسة الغواية والإضلال، فحارب هو وحزبه منهج الحق والرسل والرسالات السماوية، حاربوا الأنبياء وعذبوهم وقتلوهم، كما حاربوا كل من سار على نهجهم من أولياء الله والصالحين من عباده.
واليوم وبعد مرور آلاف السنين على ما حدث مع أبينا آدم نرى مظاهر الانحراف تتجلى أكثر على يد أولياء الشيطان، وجرائمهم تكبر وتنتشر أكثر وأكثر، وبكيدهم ومكرهم وتخاذل أهل الحق أصبحوا أصحاب القرار في هذا العالم، وأصبحوا كذلك يتحكمون في مصير الكثير من شعوب العالم، لا سيما أنّهم يمتلكون مصادر القوة والأسلحة الأشد فتكاً بالبشرية، حتى لا يكاد أحد يجرؤ على مواجهتهم، فقد أصبحت أمريكا ومن ورائها إسرائيل رمزي الشر والطغيان والاستكبار، وتاريخهما الدموي يعكس للجميع مدى جبروتهم وطغيانهم، فلم يدعوا سلاحاً إلا واستخدموه لحرب البشرية من أجل الحصول على مصالحهم، حتى وإن كان ذلك على حساب مصادرة حقوق أمم وشعوب، والقضاء على أحلامهم والحصول على أدنى حقوقهم في العيش الكريم. وما جرائمهم في فلسطين واعتداؤهم على المقدسات إلا نموذج لحقدهم وطغيانهم وغطرستهم، وما عدوانهم على الجمهورية الإسلامية الإيرانية مؤخراً من أجل إقامة مشروع الشرق الأوسط الجديد (إسرائيل الكبرى) إلا شاهد آخر على طغيانهم ووحشيتهم وأطماعهم في السيطرة والهيمنة على الشعوب والبلدان.
إنّ الحرب التي يشنها أولياء الشيطان ضدنا سواء الناعمة أو الصلبة لن يوقفها إلا استشعار المسؤولية تجاه دين الله، والاستجابة لداعي الله في جهاد أعدائه، وكسر شوكتهم ونسف غرورهم وغطرستهم، وهو الدور الذي سيقوم به رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، ولبوا نداءه، واستجابوا لتوجيهاته. ومنهم أنصاره في يمن الإيمان والحكمة ومحور الجهاد والمقاومة، الذين حفظوا ماء وجه هذه الأمة، وأخذوا على عاتقهم جهاد العدو اللدود لها، ويرون في جهاده عزهم وشرفهم وكرامتهم، وهزيمته وزواله من أوضح الواضحات. وذلك ما وعد به رب العزة والجلال {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا} {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا}.