الصرخة مشروعٌ للحرية في وجه الغطرسة الأمريكية
البيضاء نت | مقالات
بقلم / كوثر العزي
الصرخة التي تعالت من جبال مران في عام 2002م من قِبل الشهيد القائد ومن معه من المجاهدين الأحرار ليست إلا اختزالاً للموقف في كلمات متعددة يظهر من خلالها ثبات الموقف الذي عزم عليه الشهيد القائد، وعزم الجهاد هو ومن معه من السابقين في الجهاد، والإصرار على عدم الركوع وإن ركع العالم قاطبة، فهنالك فئة آمنوا بربهم فزادهم هدى.
تلك الصرخة التي كانت بمثابة إعلان صارخ وصريح للبراءة من أعداء الله ورفض الهيمنة الأمريكية التي خيمت على العالم آنذاك، إنما هي بداية مشروع للتخلص من الخضوع والخنوع الذي رسمته أمريكا بآمال من أوهام ونسجته بخطوط أشلاء الأبرياء، كما أنها عقيدة ثابتة راسخة بأن الحرية مرهونة بالجهاد، بالتحرك بأقل القليل، بالصرخة بأعلى الصوت حتى وإن كان عدونا يملك من العدة والعتاد العسكري ما يجعلها عظيمة عصرها. الصرخة ليست شعارات تُردد، إنما هي رايةٌ تشع حرية، مفعمة بالكرامة، مليئة بالعنفوان، شامخة لا تنتكس، عالية لا تسقط، تتآلف القلوبُ قبل الأبدان، وتنسجم فطرة الإنسان لتصبح أقوى روابطها آنذاك هي رابطة الأخوة الإيمانية.
حينما تمعن الشهيد القائد في حال الأمة رأى أن الواقع مخزٍ ومعيب ومؤسف وموجع لأمة قيل فيها: “كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ” حيث إن الأمة حينها كانت تعيش حالة صمت وخضوع أمام المشروع الأمريكي الصهيوني الملغم بتقسيم المنطقة وجعلها قواعد عسكرية لهم، وأن الأنظمة العربية متواطئة مسلِّمة منقادة كالأنعام، إذا كان لا بد من موقف مشرّف، من نداء، من تحرك، من “صرخة” مزمجرة تكسر حاجز الخوف للأمة، وتعيد للأمة وعيها بعدوها الحقيقي، وأن تُري العدو نفسه بأنه أوهن من بيت العنكبوت، وأن تعلن البراءة من الطاغوت عملًا بقوله تعالى: “فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى”.
تحرك الشهيد القائد حسين بن بدر الدين من دافع “والله ما يدعني كتاب الله أن أسكت” بعد أن رأى أحداث 11 سبتمبر وبداية الغزو الأمريكي لأفغانستان والعراق، وكيف أن أمريكا تنخر في جسد الأمة دون حساب وعقاب، وإنما تسعى في الدمار وهتك الأمة العربية والإسلامية تحت ما سُمّي “الحرب على الإرهاب” والتي استهدفت الأمة قاطبة. بنظرة ثاقبة للمستقبل، ومن عمق مدرسة الإمام الهادي بمنطقة مران – محافظة صعدة، عرف وشخّص خطر اليهود ومكرهم، فأطلق الصرخة معلنها علناً دون خوف ورهبة، متحدياً أعتى وأجرم الوحوش البشرية في حقبة التاريخ، حيث إنه عليه السلام يعي جيداً تلك العواقب التي سيتلقاها والحروب التي سيخوضها وأن روحه ستُسلب ودماءه ستُسفك، لكن “أفي سلامة من ديني”، توكله على الله جعله شامخاً بشموخ جبال مران.
بعد أن تعالت الصرخات من الجوامع والمدارس لم تقعد أمريكا مكتوفة الأيدي حيال ذلك المشروع العظيم، إنما كان لها موقفٌ من الشعار، موقفاً عدائياً منذُ اللحظة الأولى، واعتبرته تهديداً مباشراً لمصالحها ونفوذها في المنطقة، حيث إن الإدارة الأمريكية صنفت الشعار ضمن “الخطابات المتطرفة” و”التحريض على العنف” لتوجه حينها بوصلة العداء على مران في محافظة صعدة. ضغطت الحكومة الأمريكية على الحكومة اليمنية آنذاك لمحاربة وقمع من يرفع الشعار، لتكن قضية “الصرخة” أهم الأسباب المباشرة للحروب الست على محافظة صعدة، حيث طلبت واشنطن من الدولة السابقة في صنعاء بـ”إسكات الأصوات المعادية لأمريكا”، خوفاً من تصديق كلام الشهيد القائد حينما قال: “دعوا الشعب يصرخ وستجدون من يصرخ معهم”.
الخطر الحقيقي الذي رأته أمريكا في تلك الكلمات الخمس ليس لفظاً معنوياً مثل “الموت”، إنما يعتبر كسراً واضحاً لهيبة أمريكا في نفوس الناس والتي زرعتها بعمق الأمة بتدجينها للشعوب العربية بتصغير حجمها، فالصرخة قد تنزع الخوف وتقدم نموذجاً لمن يجرؤُ على تحدي أمريكا علناً وتشهير السلاح بوجهها دون خوف، لذلك سعت واشنطن عبر الإعلام والحلفاء بحملات تشويهية لهذا الشعار وتصويره بأنه “طائفي” حتى لا يتحول ذلك الشعار إلى ثقافة عامة في المنطقة وإلى نهج تنهجه بقية الشعوب.
أمريكا لم تتعامل مع الصرخة كمجرد كلمات ترددها جماعات لخوف منهم، إنما مشروع مواجهة فكرية وسياسية، ردت عليه بالعقوبات والتصنيف في قوائم الإرهاب، لم تكتفِ بذلك بل بالدعم العسكريِ لخصوم ذلك المشروع، لأنها أدركت أنَّ المعركة تبدأُ من كسر حاجز الخوف لدى الشعب اليمني وبقية الشعوب، حيث إننا في وقتنا الحاضر نشاهد ونرى بأن الشعار فعل ذلك وجعل أمريكا وإسرائيل والدول العظمى صغيرة بعين نفسها قبل أن تُرى بعين العالم.
الشعار لا يكتمل إلا بالعمل والجهاد والمصداقية مع الله ومع هذه المسيرة. أيها الإخوة الشعار يفتح ألف باب من أبواب الجهاد مع أعداء الدين عامة، ويجلب كلابها، فالثبات على الموقف والمقاطعة والجهاد والتوعية هي التي تجعل منّا أمة حقيقيةً ثابتة شامخة أمة متمكنة تقف في وجه عدوها بكل ثبات، فالشعار بدون عملٍ يصبح عبئاً على ناطقه، والعمل بدون الصرخة قد يُضل الأمة الطريق وتعمى البصائر وتخمد نيران الثأر ويفعل بنا الأعداء أشر الأفعال.
لتكن الصرخة شرارة في القلوب، ووقود الجهاد ورداء للوعي واكتمال الحرية والكرامة، فالصرخة نصرٌ والنصرُ قاب قوسين أو أدنى.