اليوم الثمانون – الانفصام الأمريكي، تراجع اضطراري، و”ساعة الصفر” المُعلق. 

الإثنين 18 أيار/مايو 2026 (اليوم 80 للحرب)

البيضاء نت | تقرير طلال نخلة 

نقف في عصر هذا اليوم أمام حالة من “الانفصام الاستراتيجي” غير المسبوق في التحالف الأمريكي-الإسرائيلي. ففي الوقت الذي تتحدث فيه الصحف الأمريكية وتقارير الاستخبارات الإسرائيلية عن وصول التحضيرات لـ “ساعة الصفر” وتجهيز البنتاغون لاستئناف الهجمات، تأتي التسريبات من غرف التفاوض (الباكستانية) لتكشف عن تراجع أمريكي مفاجئ وملموس، يتضمن تعليقاً لعقوبات النفط وقبولاً مبدئياً بوقف العدوان في لبنان. هذا التناقض الحاد ليس عبثياً، بل هو التعبير الأوضح عن مأزق إدارة ترامب التي تحاول فرض “الإكراه العسكري” على طاولة التفاوض، بينما تستنزفها جبهات لبنان وأزمة الطاقة العالمية.

في هذا التقرير، نُفكك المشهد بين طبول الحرب التي تُقرع في واشنطن وتل أبيب، والرسائل الصامتة التي تُمرر عبر الأقنية الدبلوماسية، وصولاً إلى الميدان الذي يفرض إيقاعه الخاص.

أولاً: التراجع الأمريكي التكتيكي.. “المرونة تحت النار”

التسريبات الأخيرة من مصادر مقربة لفريق التفاوض الإيراني تُشكل نقطة ارتكاز لفهم المأزق الأمريكي الحقيقي. بعد رفض اللاءات الخمس، عادت واشنطن لتقديم تنازلات جوهرية عبر الوسيط الباكستاني:

تعليق العقوبات النفطية: القبول الأمريكي بتعليق عقوبات النفط (ولو عبر إعفاءات مؤقتة من الأوفاك OFAC) هو إقرار بانتصار الاستراتيجية الإيرانية المتمثلة في سلاح “تجميد هرمز”. واشنطن تسعى لشراء الوقت وإرساء هدنة مؤقتة لإنقاذ أسواق الطاقة قبل موسم الانتخابات. إيران، من جهتها، تتمسك بالإلغاء الكامل للعقوبات كجزء من التزامات صريحة، رافضة “الحلول المؤقتة” التي تتيح لواشنطن التراجع لاحقاً.

الاعتراف بـ “وحدة الساحات”: المرونة الأمريكية بشأن الموافقة المبدئية على وقف الأعمال العدائية في لبنان، والحديث عن مناقشة انسحاب الجيش الإسرائيلي خلال شهر، تُمثل سقوطاً لـ “فخ واشنطن” (إعلان النوايا ومسار البنتاغون الأمني). هذا يثبت أن صمود المقاومة في الجنوب أجبر الإدارة الأمريكية على الرضوخ لشرط طهران بربط الجبهات.

ثانياً: التحشيد العسكري و”التهويل الاستراتيجي”

رغم التراجع التفاوضي، تستمر الاستعدادات العسكرية في ذروتها، وهي تمثل تكتيكاً مزدوجاً لـ (الضغط والتجهيز الفعلي):

التأهب الأقصى (ساعة الصفر): تقارير القناة 12 العبرية و”نيويورك تايمز” تُجمع على أن الـ 24 ساعة الماضية شهدت استعدادات واسعة النطاق لاستئناف الحرب. الجسر الجوي العسكري الضخم (مئات الصواريخ الدقيقة)، واستدعاء ترامب لفريقه الأمني غداً، والتحركات البحرية غير الاعتيادية، ليست مناورات فارغة. الإدارة العسكرية (البنتاغون والكابينت الإسرائيلي) تُجهز مسرح العمليات وتنتظر القرار السياسي الأخير من ترامب، سواء بشن حملة محدودة أو حرب شاملة.

التأثير النفسي (Psychological Warfare): تكرار الإعلانات عن “اقتراب اتخاذ القرار” وتحديد تواريخ قريبة يندرج ضمن أساليب الإكراه. ترامب يحاول استخدام التهديد بـ “أوسع هجوم” كورقة ضغط أخيرة لإجبار طهران على قبول الإعفاءات المؤقتة بدلاً من رفع العقوبات الكلي.

ثالثاً: الجبهة اللبنانية.. إسقاط الأوهام بالدفاع الجوي والمدرعات

الميدان في جنوب لبنان لم يعد يقتصر على الاستنزاف، بل تحول إلى ساحة فرض معادلات سيادية صارمة:

إسقاط السيادة الجوية للاحتلال: الحدث الأبرز تكتيكياً هو إطلاق صاروخ جوي دفاعي لاعتراض طائرة حربية إسرائيلية في أجواء صور، وإجبارها على المغادرة. هذا التطور خطير جداً ويُسقط “حرية الحركة” التي طالبت بها إسرائيل في مسوداتها الاستسلامية في واشنطن.

استمرار “مطحنة جبل عامل”: المقاومة لا تتوقف؛ استهداف جرافة D9 في مجرى نهر دير سريان بمحلقة انقضاضية، وتجمعات في رشاف، وإرسال مسيرة نحو “شومرا”، وإطلاق صواريخ نحو “كريات شمونة”. هذا يعني أن الجيش الإسرائيلي، الذي ينزف بمعدل 105 جرحى أسبوعياً ويعاني من نفاذ ميزانيته، لا يمتلك أي قدرة على تثبيت قواته، ناهيك عن تشكيل “قوة خاصة لنزع السلاح” كما توهم المتآمرون في واشنطن.

الخلاصة والمسار القادم:

نحن في لحظة “تقاطع المسارات”؛ التصعيد العسكري والدبلوماسية يتسابقان بشكل متوازٍ.
الأرجح أن تلجأ الإدارة الأمريكية، في اجتماع الثلاثاء، إلى اعتماد “الهدنة المشروطة” كمخرج يجنبها الانتحار العسكري. التنازلات الأمريكية التي تسربت (تعليق النفط والهدنة في لبنان) تشير إلى أن ترامب سيُحاول تسويق هذه الإعفاءات المؤقتة كـ “اتفاق مرحلي” (Interim Agreement) لإبعاد شبح إغلاق هرمز قبل الانتخابات النصفية. هذا يعني تجميد التصعيد الشامل، مع إجبار إسرائيل (التي لم تعد تمتلك ميزانية أو قوات) على ابتلاع وقف إطلاق نار فعلي في لبنان وجدولة انسحابها.

وإلا نحن ذاهبون إلى غلبة الجنون في البيت الأبيض؛ فإذا رفضت إيران الإعفاءات المؤقتة وأصرت على الرفع الكامل للعقوبات، وإذا استسلم ترامب لضغوط نتنياهو وصقور إدارته (فانس وروبيو)، فإن “ساعة الصفر” العسكرية ستُعلن. البنتاغون سيُطلق حملة جوية تستهدف منشآت إيرانية نوعية، وهو ما سيُشعل الجبهات كافة. المقاومة اللبنانية ستُمطر العمق، واليمن سيعطل الملاحة بالكامل، وطهران ستُفعل منظومتها الباليستية ضد القواعد ومنشآت الطاقة الخليجية مع الإغلاق التام لمضيق هرمز مادياً. حينها، سيسقط الاقتصاد العالمي في دوامة انهيار لن تنتهي بتغيير النظام في أمريكا فحسب، بل بتغيير الخريطة الاستراتيجية للشرق الأوسط بأكمله.