الصراع حتمي بين ولاية الله ومن يمثلها وولاية الشيطان وامتداده

البيضاء نت | مقالات 

بقلم / طلال الغادر

شكّل خطاب السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي بمناسبة يوم الولاية (18 ذو الحجّـة 1445هـ) وثيقةً فكريةً متكاملة، استطاعت أن تنقل مفهوم “الولاية” من كونه مُجَـرّد ذكرى تاريخية أَو طقسٍ احتفالي إلى كونه مبدأً عقائديًّا وسياسيًّا يحدّد طبيعة الصراع الوجودي الذي تخوضه الأُمَّــة اليوم.

فمن غدير خُم قبل أربعة عشر قرنًا، إلى المشهد اليمني الراهن، ثمّة خيطٌ رفيع يربط بين إعلان النبي ﷺ ولاية علي بن أبي طالب، وبين صواريخ “اليمن الإيماني” التي تعترض حاملات الطائرات وتضرب في عمق كيان الاحتلال الإسرائيلي.

في قلب هذا الخطاب تكمن فكرة مركزية مفادها أن

الفرد والأمة الإسلامية، والإنسانية كلها، أمام خيارين لا ثالث لهما:

ولاية الله الممتدة عبر خاتم الأنبياء وأهل بيته، وما تفرضه من عدل وهداية ونور

أَو ولاية الطاغوت التي تجرّ إلى الظلمات والخُسران الأبدي.

هذا الثنائي الحاد ليس تنظيرًا عقديًّا مُجَـرّدا، بل هو إطار تحليلي يُقرأ من خلاله كُـلّ ما يجري في المنطقة، بل والعالم.

انطلق الخطاب من تفكيك واقعة الغدير تفكيكًا استثنائيًّا، بوصفها لحظة تأسيسية كشفت عن حساسية “الحكم والقيادة” في الفكر الإسلامي.

فحين يقول الله: {وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}، فإن الآية تجعل من مسألة “الولاية” شرطًا لتمام التبليغ نفسه، مما يرتقي بها إلى مرتبة تفوق أي حكم فرعي، لتغدو أَسَاسًا لثمرة الدين كله.

في التحليل الذي قدّمه خطاب السيد القائد، ارتبطت ولاية الإمام علي بثلاث وظائف محورية:

1. الوظيفة التبليغية: حفظ الامتداد النقي للإسلام دون تحريف أَو زيادة.

2. الوظيفة القيادية: إخراج الناس من الظلمات إلى النور في مواجهة المضلّلين.

3. الوظيفة النموذجية: تقديم القُدوة العملية في الحكم العادل والإدارة الراشدة والورع عن المال العام.

ثم ينتقل الخطاب نقلة نوعية كبرى بإسقاطها على الواقع المعاصر، ليكشف أن “طاغوت العصر” يتمثل في أمريكا وحلفائها الذين يسعون إلى فرض ولايتهم على الأُمَّــة.

وهنا تحديدًا تكمن “الفرادة الفكرية” في هذا الخطاب: فهو يشخِّص الطاغوت الخارجي، ويُخضِع الأنظمة العربية والإسلامية المتحالفة معه لذات المعيار، متهمًا إياها بـ”الردة العملية” عن ولاية الله إلى ولاية الشيطان، حَيثُ تتعامل مع واشنطن “من منطلق أنها هي المعنية بالأمر والنهي، وفرض السياسات والقرارات”.

المشهد اليمني: من التنظير إلى المواجهة الميدانية

يأتي الشاهد الأبلغ على هذا التحليل من الميدان اليمني نفسه، الذي تحوّل إلى مختبر حي لاختبار “فاعلية الولاية”.

ففي الأسبوع الأخير وَحده، وكشفت القوات المسلحة اليمنية عن نقلة استراتيجية هائلة في المواجهة، عقبَ تنفيذ عملية عسكرية متعددة الأبعاد وفي آنٍ واحد.

من وَحدة الساحات إلى ترجمة صارخة لمقولة السيد القائد في خطابه:”إمّا أن نكون في إطار ولاية الله، وإلّا كان البديل ولاية الطاغوت”.

ويمكن استخلاص مخرجات فكرية حاسمة من تداخل الخطاب والمشهد:

1. الولاية مشروع تحرّري: ليست الالتزام العاطفي بشخص الإمام علي، عليه السلام.. هي “نظام حياة” يرفض هيمنة الطاغوت المعاصر، ويقدّم بديلًا قائمًا على المواجهة الشاملة.

2. النموذج الأخلاقي للقيادة: استحضار رسائل الإمام علي إلى ولاته – مثل رسالته إلى عثمان بن حنيف – كان مقصودًا لتقديم “دليل عمل” للحكم الإسلامي المعاصر، حَيثُ النزاهة المطلقة والرفق بالرعية والمساواة في تطبيق القانون، وهي قيم تتجسد اليوم في صمود الشعب اليمني تحت القصف.

3. شرط النصر: الخطاب يربط بين التولي الصادق لله ورسوله وبين التأييد الإلهي، وهو ما تراه القيادة اليمنية متحقّقا في قدرتها على مواجهة التحالف الأمريكي-الإسرائيلي رغم الفارق المهول في الإمْكَانات المادية.

4. سقوط شرعية الأنظمة المطبّعة: إذَا كانت “ولاية أمريكا” تمثل خروجًا من النور إلى الظلمات، فإن أي نظامٍ يخضع لها يسقط تلقائيًّا في مربع “الطاغوت” التابع.

إذن.. هي معركة تُخاض بين فريقين، وعلى الأُمَّــة أن تختار: إما أن تكون مع قضايا المحقة وأبطالها والأعزة، وإما أن تكون مع إسريكا وأذيالها.

ولا يوجد طريق ثالث.