حين تُشرق شمس السيرة النبوية على آل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، يتجلى للمتبصرين عمق الحكمة الإلهية في الوصية العظيمة التي تركها الرسول الأكرم لأمته لحمايتها من التيه والشتات السياسي والفكري؛ إذ يقول: “إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَبَدًا: كِتَابُ اللَّهِ وَعِتْرَتِي، وَإِنَّ اللَّطِيفَ الْخَبِيرَ نَبَّأَنِي أَنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ” (رواه مسلم والترمذي وأحمد).
إن هذا الاقتران بين الوحي والعترة يمثل صمام الأمان الفكري للامتداد الإسلامي، ويفرض على الأُمَّــة أن تكونَ مع أهل بيت نبيها يدًا واحدة، تتعاوَنُ على البر والتقوى دون تكلف أَو تعصب.
إن الأُمَّــة اليوم مَدعوة فكريًّا وسياسيًّا إلى إحياء فريضة المودة والولاء لأعلام الهدى الذين لم ينعزلوا يومًا عن هموم أمتهم، فقد وهبوا أرواحهم لإصلاح شؤون الأُمَّــة.
ويتأكّـد هذا المفهوم اليوم في وجوب الالتفاف حول راية الجهاد في فلسطين، ولبنان، وإيران، واليمن، لمواجهة المشروع الصهيوني العالمي واقتلاع جذور السرطان اليهودي الصهيوني من أرض المسلمين؛ سعيًا لنشر العدل والخير في الأرض كلها.
وهنا ينبثق في تاريخنا نجمٌ ساطعٌ صاغته العبادة وهذّبته التقوى؛ إنه الإمام علي بن الحسين “زين العابدين وسيد الساجدين” (عليه السلام)، الذي أجمعت الأُمَّــة في عصره على أنه أفقه أهل زمانه وأعلمهم، وأورعهم دينًا، وأصدقهم لهجة، ولم يكن مُجَـرّد حَبْرٍ ينزوي في المحراب، فقد كان مدرسة إيمانية متحَرّكة، وحصنًا سياسيًّا يحمي هُوية الأُمَّــة في زمن الانكسار.
تولى الإمام علي بن الحسين قيادة الأُمَّــة في واحدة من أحلك مراحل التاريخ الإسلامي؛ إذ كانت الدولة الأموية قد بلغت ذروة بطشها، وساد القتل والإرهاب، وخيم الخوف على الأُمَّــة بعد فاجعة كربلاء، فأعاد بناء الإنسان قبل بناء الدولة، وربَّى جيلًا يحفظ الإسلام من الذوبان
لم يكن الدعاء في منهج الإمام زين العابدين (عليه السلام) هروبًا من الواقع، وإنما كان صياغة فكرية وسياسية لبناء النفس المقاوِمة تحت ظروف القمع والترهيب، التي صاغها طغاة الدولة الأموية فكانت “الصحيفة السجادية” معراجًا للروح وأدبًا للعبودية، تعيد ربط الأُمَّــة بمصدر قوتها الحقيقي.
إن الدعاء هو سلاح المؤمن ومخ العبادة، وهو ركيزة الانطلاق في مواجهة الأعداء؛ ولو أن الأُمَّــة في محنتها الراهنة أمام الغطرسة الصهيونية التي تستهدف فلسطين والمنطقة استعانت بالله تعالى من موقع العمل والتوكل الصادق، لكان النصرُ حليفَها حتمًا، مستلهمة ذلك من يوم بدر، حَيثُ استغاث المسلمون بربهم فجاءهم المدد غيثًا ونصرًا:
لقد قدّم الإمام زين العابدين نموذجًا فريدًا في التوازن بين بناء الداخل الاجتماعي ومواجهة التحديات، وتميّز بمناقب صاغت مجتمعًا متكافلًا:
•الحلم وكظم الغيظ: كان يقابِلُ الإساءةَ بالإحسان ليرمِّمَ التصدعاتِ الاجتماعية ويحوِّلُ الخصومَ إلى طاقات إيجابية في الأُمَّــة.
•الجود الخفي: كان يحمل جرِابَ الخبز على ظهره ليلًا ليوصلَه إلى فقراء المدينة سِرًّا، ولم يُكشف ذلك إلا بعد وفاته حين انقطعت الصدقات ووُجدت آثار الحبال على ظهره الشريف.
•الوعظ والتذكير: كان أُستاذ القُرَّاء، يستغل منبر الجمعة، لإيقاظ الضمائر وتحصين الأُمَّــة من التكالب على الدنيا.
وهنا تبرز المفارقةُ المريرةُ في واقعنا المعاصر: أين أُمَّـة الإسلام اليوم من هذا السلوك العظيم؟ لقد فتح اللهُ على المسلمين ثرواتٍ هائلة من النفط والغاز، ولو أُدّي حق الله فيها، ولو وُظّفت بعدالة، لما عانت شعوبنا من الفقر والحرمان والتجويع الممنهج.
ولكان المجاهدون قد زوّدوا من مال الله ما يسد احتياجاتهم من المال والسلاح، وبما يمدهم بأسباب القوة والفلاح، فأين التأسي برسول الله وبأئمة الهدى في قول كلمة الحق ودفع الباطل؟
إن الإمام علي بن الحسين زين العابدين يمثل مدرسة الإيمان والعبادة ومصنع الأخلاق والسيادة الصادقة.
وما أجملَ أن يجعلَ المسلمُ من هذا الإمام العظيم قُدوةً يستمدُّ نورَها من النور الأول، نور المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي أمر الله باتباعه فقال: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21].
وإذا كان هذا هو التأصيل الشرعي، فإن التاريخَ يقدِّمُ شاهدَه العملي في شخصية الإمام علي بن الحسين ويجعلنا نضع الميزان الفكري والسياسي أمام الواقع لنقول للأُمَّـة الإسلامية وللعالم كافة: كيف لمن يمارسون البغي، ويحاصرون اليمن، ويسعَون للاستيلاء على ثرواته ومقدراته وتجويع شعبه، أن يدّعوا الصلة بهذا النهج النبوي أَو يزعموا الاقتدَاء بأئمة الهدى؟ إن لغة الإيمان والتقوى والفصاحة تقتضي مصارحة هؤلاء بمراجعة حساباتهم السياسية والظالمة؛ فالشعوب الحرة المستمسكة بهُويتها الإيمانية لن تخضع، وإن عاقبةَ البغي تاريخيًّا هي الانكسار، وقادم الأيّام يحمل بأس التوحيد والتقوى الذي سيلتهم عروش الظالمين ليدركهم غضب الجبار، فيصبحوا على ما فعلوا نادمين.
إن الأمم لا تُهزم حين تقل إمْكَاناتها، وإنما تُهزم حين تفقد بُوصلتها الأخلاقية وقيادتها الواعية.
وقد ترك الإمام زين العابدين للأُمَّـة منهجًا خالدًا يجمعُ بين صفاء العقيدة، وسُمُوِّ الأخلاق، وثبات الموقف، حتى غدا الورع قوة، والدعاء مشروعًا للتغيير، والصبر طريقًا إلى النصر.
وما أحوجَ الأُمَّــةَ اليوم إلى استعادة هذا النهج لتبني إنسانا حرًا، ومجتمعًا عزيزًا، ودولةً عادلةً.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا حسن الاقتدَاء بالصالحين، وأن يزين قلوبنا بالإيمان، وأعمالنا بالإخلاص والجهاد، وأن يجعلنا ممن قال الله فيهم: {فَبَشِّرْ عِبادِ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئك الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئك هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ}، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله الطاهرين وصحابته المنتجبين.