الهدوء التكتيكي فوق هرمز وسيناريوهات التصعيد الكبير: ترامب يُجمد “إبيك فيوري” وواشنطن تفاضل بين الانزلاق والإنزال الميداني  

المشهد الاستراتيجي العام ليوم الاثنين 27 تموز 2027

البيضاء نت | تقرير طلال نخلة 

دخلت المواجهة الشاملة في اليوم الأربعين لسقوط مذكرة التفاهم واليوم التاسع والأربعين بعد المئة للحرب مرحلة الهدوء التكتيكي المتبادل والترقب الحذر. أوقفت القوات الأمريكية غاراتها الليلية، مما دفع طهران للرد بالمثل ووقف عملياتها الانتقامية، بالتزامن مع تراجع أسعار النفط بنسبة 4%، وسريان أنباء عن تقدم في المفاوضات العمانية لإرساء صيغة ملاحية لإدارة مضيق هرمز. غير أن هذا التوقف، وفق قراءة المعطيات الميدانية والتحشيدات الجوية، لا يعدو كونه استراحة محارب أو “الهدوء الذي يسبق العاصفة”؛ إذ يقف البنتاغون أمام معضلة الاستنزاف الصاروخي وانكشاف الفجوة التسليحية، في وقت يدفع فيه بنيامين نتنياهو باتجاه استئناف الضربات الشاملة لإسقاط “النظام” أو تجريده النووي، توازياً مع عودة سيناريوهات الإنزال الميداني واستهداف المنشآت الحساسة إلى طاولة البحث الاستراتيجي.

المحور الأول: التهدئة التكتيكية، المفاوضات العمانية، ولعبة التوازنات الأمريكية

1. التوقف المتبادل وتقدم مسار مسقط: أعلن المتحدث باسم الجيش الإيراني محمد أكرمينيا والمتحدث باسم الخارجية إسماعيل بقائي وقف الهجمات والردود الانتقامية لليلتين متتاليتين، مع تأكيد استمرار تبادل الرسائل عبر الوسطاء. وكشفت التقارير عن محادثات بناءة تقودها سلطنة عمان لتأسيس حل وسط يتيح لإيران إدارة حركة السفن في مضيق هرمز وتخفيف القيود، بشرط التوقف الأمريكي الكامل عن الضربات الجوية.

2. توصية القيادة المركزية وتشكيك تل أبيب: رفع قائد القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) الأدميرال براد كوبر توصية رسمية بوقف القصف حول هرمز بعد بلوغه الحد الأقصى من الفعالية، موضحاً أن استهداف الـ 20% المتبقية من بنك أهداف عملية (Epic Fury) يتطلب العودة لحرب شاملة لا تبررها الضربات المحدودة، وهو ما أيده رئيس أركان الجيش دان كين جراء استنزاف المخزونات. وفي المقابل، اعتبرت القناة 15 العبرية أن ذريعة “نقص الصواريخ الاعتراضية” مجرد غطاء تكتيكي لتراجع ترامب خطوة إلى الخلف، مشيرة إلى زيارة نتنياهو المرتقبة لواشنطن يوم الاثنين المحملة برفض التراجع أو الانسحاب من غزة وسوريا ولبنان للضغط باتجاه التصعيد.

3. سجال الرفاهية والرد الإيراني: ردت طهران بسخرية على تصريحات نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس بشأن منح إيران “ازدهاراً اقتصادياً” مقابل التخلي عن برنامجها النووي، بالدعوة للنظر إلى نموذج “الازدهار” في سوريا وأفغانستان والعراق بعد الثقة بواشنطن وتل أبيب، فيما هاجم المتحدث باسم الخارجية الإيرانية التبعية الأوروبية للبيت الأبيض وغياب القرار المستقل للاتحاد الأوروبي.

المحور الثاني: سيناريوهات الحسم، الإنزال الميداني، والتفوق التسليحي الإيراني (OSINT)

1. حتمية التصعيد وسيناريوهات الإنزال والضربة النووية: تشير قراءة تحركات الجسر الجوي المكثف إلى أن الطرفين يتجهان نحو مواجهة أشد طحناً وتدميراً. وفي حال قررت الإدارة الأمريكية رفض التراجع والقبول بالمعادلة الإيرانية في هرمز، فإن الخيارات التصعيدية المطروحة تشمل توسيع نطاق الضربات لاختراق العمق الإيراني، وتدمير القدرات البحرية لسلب سيطرة طهران الإقليمية، وصولاً إلى سيناريوهات عملياتية كـ الإنزال الجوي لاحتلال جزر أو أراضٍ إيرانية استراتيجية، أو قصف المنشآت النووية المحصنة جنوب نطنز وجبل الفأس لكسر شوكة الخصم، ما لم يحسب ترامب المكاسب الاقتصادية للانسحاب وتجنب الحرب.

2. معادلة الاستنزاف ولغة الأرقام الصارمة: تكشف التقديرات العسكرية عن مأزق تسليحي أمريكي حاد؛ إذ تنتج واشنطن سنوياً 96 صاروخ THAAD، و600 صاروخ PAC-3، و96 صاروخ SM-3، و125 صاروخ SM-6، مقابل إنتاج إيراني هجومي يتجاوز 3600 صاروخ باليستي و3000 طائرة مسيّرة من طراز (شاهد) سنوياً. وتتعمق الأزمة بالصدمة المادية؛ إذ تبلغ تكلفة مسيّرة شاهد 20 ألف دولار فقط، مقارنة بـ 4 ملايين دولار لصاروخ الباتريوت الاعتراضي.

3. التتبع الملاحي وإعادة التموضع من أربيل: أظهرت بيانات الجسر الجوي الأمريكي (C-17 MOOSE) تنفيذ أكثر من 20 رحلة نحو مطار أربيل منذ أول تموز، مع تسجيل تحول عملياتي مفصلي منذ 23 تموز ببدء نقل وتفريغ المعدات من أربيل ونقلها نحو قاعدة “موفق السلطي” بالأردن، توازياً مع رحلات (Atlas C.1) البريطانية من أكروتيري، وتحرك حاملة الطائرات “آيزنهاور” للتزود بـ 1400 طن (3 ملايين رطل) من الذخائر والمقذوفات.

المحور الثالث: الموقف الإسرائيلي الصلب، التهديد الأوكراني، والجاهزية الجوية

1. شروط نتنياهو واستراتيجية الإسقاط: جدد رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو في تصريحاته لشبكة فوكس نيوز تأكيده أن الحرب لن تنتهي إلا بسقوط النظام الإيراني أو تجريده الكامل من برنامجه النووي باتفاق أو بدونه، رافضاً الشروط الأمريكية للانسحاب من الجبهات الإقليمية ومراهناً على جولة المباحثات في واشنطن لتغيير موقف ترامب.

2. دخول أوكرانيا على خط التهديد المباشر: حذر رئيس لجنة الأمن القومي الإيراني إبراهيم عزيزي من أن أي اعتداء سينعكس بالوبال على واشنطن وتل أبيب وكييف، لترد وسائل إعلام عسكرية أوكرانية بالتهديد المباشر بشن هجمات بطائرات مسيّرة طويلة المدى تستهدف المدن الإيرانية في حال تعرضت كييف لضربات باليستية إيرانية رداً على استهداف السفينة في بحر قزوين.

3. الجاهزية الجوية وتحليق الـ AWACS: رغم غياب إشعارات إغلاق المجالات الجوية للليلة الحالية، استمرت حالة الاستنفار الأقصى في إقليم طهران ومعبر قشم/هرمز الملاحي، بالتزامن مع رصد تحليق مكثف لـ 6 طائرات تزويد بالوقود أمريكية برفقة طائرة الإنذار المبكر (E-3G Sentry AWACS) فوق الخليج العربي والسعودية، ونقل أعداد كبيرة من المقاتلات نحو قواعد المنطقة (بحسب فوكس نيوز).

الخلاصة والمآلات الاستراتيجية

إن التوقف التكتيكي للضربات الأمريكية ومفاوضات هرمز عبر مسقط لا يعكسان إنهاءً للنزاع قدر ما يعكسان إعادة تموضع لوجستي لحل أزمة الذخائر الاعتراضية وتفريغ الشحنات من أربيل نحو الأردن. ومع رفض نتنياهو الشديد للتهدئة وتلويحه الخيار النووي، يبقى خيار التصعيد هو الأكثر ترجيحاً.

بناءً على هذه المعطيات المتشابكة، فإن الساعات أو الأيام القليلة القادمة ستكون فاصلة؛ فإما أن تثمر الترتيبات العمانية عن صيغة ملاحية مؤقتة تلبي الحسابات الاقتصادية لترامب، أو أن تتجه واشنطن وتل أبيب نحو تنفيذ الضربة الكبرى الشاملة التي ستفجر مواجهة طاحنة تشمل ضرب المنشآت النووية وتفعيل خيارات الإنزال الميداني، وهو سيناريو سيقابل حتماً بضربات باليستية ومسيّرات إيرانية لا تبقي ولا تذر تطال القواعد الإقليمية وعمق الكيان الإسرائيلي والمدن الأوكرانية.