سياق حرب اليمن والضغوط على الجيش الباكستاني

البيضاء نت | مقالات 

بقلم / د. صابر أبو مريم

في بداية العدوان على اليمن عام 2015، اندلع جدل واسع في باكستان عقب طلب السعودية المساعدة من الجيش الباكستاني في حرب اليمن؛ إلا أن البرلمان الباكستاني اتخذ حينها قراراً بالإجماع ينص على عدم إرسال القوات المسلحة الباكستانية للمشاركة في حرب أي دولة عربية، بما في ذلك المملكة العربية السعودية.

ومؤخراً، طفا هذا النزاع القديم على السطح من جديد، في ظل الحصار غير الإنساني المفروض على اليمن، والذي أسفر عن وفاة أكثر من 300 ألف مواطن يمني. وفي حين يبذل اليمن كل ما في وسعه للدفاع عن نفسه والرد على العدوان، بدأت تتعالى الأصوات مجدداً مطالِبة بضرورة توجه الجيش الباكستاني إلى اليمن لتقديم الدعم للسعودية. وفي هذا السياق، لجأت الحكومة السعودية مؤخراً إلى تزييف الحقائق عبر تداول مقطع فيديو قديم يعود لعام 2025، لترويج مزاعم توحي بوجود محاولات يمنية لاستهداف الحرمين الشريفين (الكعبة المشرفة والروضة الشريفة) عبر الطائرات المسيرة أو الصواريخ. وقد أثار هذا الادعاء المضلل موجة عارمة من الاحتقان لدى الجماعات الدينية في باكستان، حيث انطلقت سيلٌ من الفتاوى ضد اليمن، واندلعت سجالات واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي تطالب بضرورة تحرك الجيش الباكستاني للدفاع عن السعودية.

وفي مثل هذه الظروف، استغلت الهند -التي تتربص الدوائر دائماً للإضرار بباكستان- هذه الفرصة لتحقيق مآربها؛ حتى آلت الدولة إلى توافق تام بين طرح وسائل الإعلام الهندية ومواقف بعض الجماعات الدينية المتطرفة داخل باكستان.

إن الحملات الإعلامية والتضليل الفكري (Information Warfare) التي تشنها وسائل الإعلام الهندية ضد باكستان وقواتها المسلحة وسياساتها الجيوسياسية تُعد جزءاً من استراتيجية متكاملة وممنهجة. ففي الآونة الأخيرة، وكما حدث في محطات سابقة، برزت محاولات جادة عبر الغرف الإخبارية الهندية لاقحام الجيش الباكستاني في مستنقع غرب آسيا واليمن أو نشر أخبار مفبركة لتضليل الرأي العام المحلي والدولي.

وتستعين وسائل الإعلام الهندية الرئيسية -بما فيها القنوات التلفزيونية وال his الصحف الإلكترونية شبكات التواصل الاجتماعي- بالحرب الهجينة (Hybrid Warfare) والتضليل الإعلامي كأداة ضد باكستان ومؤسساتها الدفاعية. وكلما تفاقمت الأزمة في غرب آسيا أو اليمن، تبث الصحف والقنوات الهندية تحليلات مفبركة وأخباراً زائفة تدعي أن باكستان بصدد إرسال قواتها لمواجهة حركة “أنصار الله” في اليمن، أو تم استهداف سلاح الجو الباكستاني في المنطقة. ومؤخراً، عندما جرت نقاشات حول أطر التعاون الدفاعي بين السعودية وتوركيا وباكستان (مثل حلف الدفاع المكي)، سارعت وسائل الإعلام الهندية -وفي مقدمتها مجلة “إنديا توداي” (India Today) وغيرها من المطبوعات الهندية والإنجليزية- إلى إطلاق حملات إعلامية شرسة تزعم إقحام باكستان المباشر في حرب اليمن وتوجيه جيشها ليكون وقوداً للنزاعات الخارجية. وتُصاغ هذه الأخبار المفبركة والعناوين المثيرة بهدف زيادة الضغوط الداخلية والدولية على القيادة العسكرية والسياسية الباكستانية.

ولعل الجانب الأكثر خطورة في هذه الحملة الهندية الاستفزازية هو إمداد الفئات العاطفية والجماعات الدينية داخل باكستان بالوقود الفكري. فمن خلال متابعة الروايات الزائفة التي تنشرها القنوات الهندية والمواقع الإخبارية المضللة ومنصة “إكس” (تويتر سابقاً) حول ادعاءات استهداف المقدسات أو خرق التحالفات الدينية، تقع بعض العناصر الدينية والفئات الطائفية في باكستان -عن قصد أو غير قصد- في فخ هذه المؤامرة؛ حيث تتبنى الأدلة المحرفة والمزيفة الصادرة عن الإعلام الهندي للقيام بخطابات حماسية ومظاهرات وتحركات بشأن هذا النزاع الحساس في غرب آسيا. ونتيجة لذلك، تشكل هذه العناصر أوراق ضغط على المؤسسات الرسمية للتدخل ضد اليمن أو مقاطعة/دعم طرف محدد، مما يخلق البيئة المطلوبة تماماً والتي يسعى الإعلام الهندي لتحقيقها، وهو ما نلمسه بوضوح في باكستان اليوم.

وتجني المؤسسات الدفاعية وصناع القرار في الهند مكاسب محددة من هذه الحملات الممنهجة؛ إذ يتمثل الهدف الرئيسي للهند في تشتيت انتباه الجيش الباكستاني عن الحدود الشرقية والمعارك الداخلية ضد الإرهاب، وإقحامه في مستنقع دولي معقد في اليمن. كما يهدف البث الهندي المستمر لرواية دخُول باكستان حرب اليمن أو مواجهتها لدولة مسلمة أخرى إلى إيجاد شرخ وتوتر في العلاقات الدبلوماسية بين باكستان وبقية الدول الإسلامية والإقليمية، فضلاً عن إثارة النزاعات الطائفية والفكرية الحادة داخل الساحة الدينية والسياسية الباكستانية لضرب الوحدة الوطنية والاستقرار الداخلي.
وإذا لم يتم التصدّي للتضليل الإعلامي الهندي بفاعلية واستمرت بعض القوى الدينية في الانسياق وراءه، فإن باكستان ستواجه خسائر فادحة. فالموقف الرسمي والبرلماني لباكستان يعتمد دوماً على الحياد واللجوء للوساطة في نزاعات غرب آسيا؛ وإن أي إقحام للجيش الباكستاني في حرب اليمن أو أي عمليات ميدانية خارجية تحت ضغط الإعلام الأجنبي والجماعات الدينية الداخلية سيشكل عبئاً اقتصادياً وعسكرياً لا يُطاق. كما أن خروج الجماعات الدينية إلى الشوارع بناءً على التضليل الأجنبي يذكي التوتر بين مختلف المدارس الفكرية الإسلامية في البلاد ويضع الأمن الداخلي على المحك، وهو وضع يسر الهند بالتأكيد. علاوة على ذلك، تُبذل محاولات لتشويه صورة الجيش الباكستاني وإظهاره بمظهر الغافل عن قضايا الأمة الإسلامية أو المنقاد لحروب الآخرين، مما يهدف لإضعاف ثقة الشارع والجماعات الدينية بمؤسستهم العسكرية.

وهنا يبرز سؤال على قدر كبير من الأهمية: طالما أن تركيا أبرمت أيضاً اتفاقيات أمنية واقتصادية مع دول غرب آسيا وحلفائها وتلعب دوراً فاعلاً في المشهد الجيوسياسي للمنطقة، فلماذا لا يشن الإعلام الهندي ضد تركيا نفس الحملات الممنهجة التي يشنها ضد باكستان وجيشها؟

إن هذا التباين والازدواجية يكشفان الأهداف المبيتة للإعلام الهندي؛ وتعود أسباب هذا الاستثناء إلى أن الهدف الجيوسياسي الرئيسي والتاريخي للهند هو باكستان فحسب. وبالتالي، فإن كلاً من الحرب المعلوماتية (Information Warfare) والاستراتيجية الهجينة المعتمدة تهدف بالأساس إلى استهداف الجيش الباكستاني وإحداث الاضطراب الداخلي. فتركيا ليست جارة للهند ولا تملك نيو دلهي القدرة على إثارة الفتن الطائفية أو الانقسامات الداخلية فيها كما تفعل في باكستان.

إضافة إلى ذلك، يمكن استغلال أزمات اليمن وغرب آسيا في باكستان لإثارة المشاعر الدينية والطائفية بسهولة، ليقين الإعلام الهندي بوجود عناصر عاطفية داخل باكستان تتقبل الأخبار الزائفة وتندفع إلى الشوارع بسرعة، في حين أن البنية الداخلية والنظام السياسي في تركيا لا يسمحان للتضليل الهندي بالتأثير المباشر على الشارع أو الجيش هناك. كما أن إبرام تركيا لاتفاقيات دفاعية لا يقدم ميزة عسكرية مباشرة للهند، بينما توفير الذرائع المفبركة حول مشاركة باكستان في حرب اليمن يُستغل لإضعاف سيطرة الجيش الباكستاني على حدوده الشرقية ودفع البلاد نحو أزمات سياسية واقتصادية. إن تجاهل الإعلام الهندي لتركيا وتركيزه الحصري على الجيش الباكستاني دليل قاطع على أن هذه الحملة ليست تحليلاً صحفياً أو تغطية محايدة، بل هي بروباغندا مغرضة ومخططة لاستهداف باكستان ومؤسساتها العسكرية وأمنها الداخلي.

خلاصة القول، إن الحملة الإعلامية التي يشنها الإعلام الهندي ضد باكستان وقواتها المسلحة ليست مجرد إثارة صحفية، بل هي جزء لا يتجزأ من الحرب السيبرانية والمعلوماتية. وستسعى الهند من خلالها إلى جرجرة باكستان إلى حروب غرب آسيا لاستنزاف جيشها، وعزلها دبلوماسياً، وزرع الطائفية والفوضى في الداخل لإضعافها. لذا ينبغي على الشعب الباكستاني، وخاصة القادة الدينيين ووسائل الإعلام، توخي الحذر والامتناع عن الانسياق وراء أي أخبار صادرة عن الإعلام الهندي دون تثبت، والالتفاف حول السياسة الدفاعية والرسمية لباكستان لإحباط هذه الحرب المعلوماتية التي يشنها العدو.