شعلة أمة لا تنطفئ.. السيد حسن نصر الله في ذكرى استشهاده الثانية
البيضاء نت | مقالات
بقلم / خديجة طه النعمي
في محراب الذكرى السنوية الثانية لارتقاء الشهيد الأمة، يقف التاريخ مبهوتاً أمام غيابٍ يتوهج حضوراً، وفقدٍ يستعر في الشرايين كأنه الجمر الحي.
عامان يمران على ارتقائك أبا هادي، وما زال نبض الشوق لك يعصف بالأرواح، والعيون شاخصة نحو طيفك الذي لا يغيب، والأكباد يكويها لهيب الفجيعة كأنك رحلت بالأمس.
عامان مرا وما زادنا ارتقاؤك إلا اشتعالاً وثباتاً، يُشهدان العالم أجمع أن العظماء حين يترجلون عن أسرجتهم، لا يغادرون ليسود الصمت، بل ينهمرون شلالاً من الضوء يُعمد أوردة الأحرار، ودماً ثائراً يجري ليُعيد كتابة مجد الأمة، ورسالة خُلدت بماء الذهب والدم؛ ألا مكان للذلة في أرواح ترعرعت على إبائك.
هذا الاسم الذي لم يكن مجرد عنوان عسكري أو رمز سياسي، بل كان مشروعاً أممياً للمقاومة، وعنواناً يُقرأ به الصمود كلما اغْتُصِبَ حق، وسنداً لكل ثورة تُبعث من رماد الظلم.
روح صعدت فلم تترك خلفها فراغاً تذروه الرياح، بل نوراً يَستهدي به السائرون في حلكة الليالي. قائد لم يكن يوماً لذاته، بل كان ضميراً حياً لكل المستضعفين، ولساناً ناطقاً باسم الأحرار، وسيفاً مُشرعاً في وجه الطغاة.
منذ نضارة صباك، ما خضعت هامتك يا أبا هادي ولا لانت لك قناة في دروب الفداء؛ إذ لم تعرف في زحام العمر استراحة محارب، إلا في قلب العاصفة وأنت تقارع كبرياء الطغاة. لم تستكن لجغرافيا ضيقة، بل كنت نبضاً ممتداً في وجدان الأمة جمعاء؛ من أزقة بيروت التي غرست فيها العزة، إلى شموخ النخيل في بغداد، ومن شام الكرامة إلى طهران، وصولاً إلى غزة التي كبرت بوفائك.كانت فلسطين سرك المقدس، وقبلتك التي لا تحيد عنها العيون، ومواجهة الجبابرة كانت شراعك في بحر الثبات.
وكما احتضنت راية القدس بحنان الأب وبأس الفارس، صرخت بالحق المر في وجه العدوان الظالم على أرض اليمن الأبية؛ فكنت الصدى المدوّي الذي شق حجب الصمت العالمي، والسند الوثيق الذي دك حصار المظلومين بكلمة أصلب من الحديد لا تهاب عتو مستكبر.
لم ترَ اليمن يوماً رقماً في معادلات السياسة، بل رأيته معقداً للنخوة، وقلعة للشرف، ومدداً يمانياً يُحيي في العروق دماء الفرسان؛ رأيت فيهم أحفاد بني الأنصار، أصل الشهامة واليقين، الذين يُشرق بجهادهم وفداء دمائهم وجه التاريخ من جديد.
فأجبني سيدي أتكون الشهادة أفولاً لمن جعل سنين عمره كلها قبساً يحترق لكي لا تموت القضية؟ كــــلا، فلست بالريح العابرة التي تذرو خفاف الأثر، ولا سيفاً انغمد في صمت الفراغ؛ بل خطمت مسيرتك تحت عرش السماء عابداً في المحراب، ومجاهداً في الميدان، ومربياً للأجيال. إن كانت القدس في القلب، فما جدوى القلب إن لم يتفجر لكرامتها نوراً ودماً؟
وإن كان النصر وعداً إلهياً، فما قيمة الوعد إن لم يُكتب بدماء الصديقين وفي صفحات السهر في ليالي الصادقين؟ وفي مدرسة أهل البيت، ليست الشهادة غياباً بل هي ذروة الحضور، وليس الرحيل خسارة بل هو أسمى مراتب الاصطفاء. وكما انتصر الإمام الحسين عليه السلام وهو غريب في كربلاء، ينتصر الشهيد السيد اليوم بروحه العابرة للزمان، والتي خلدها الله مناراً يستضيء به الأحرار.
غادرتنا أبا هادي ، والأرض تظمأ إلى شذى نهجك وتشتاق لنبرة صوتك التي تهز عروش العُتاة؛ ووالله إن الرزء برحيلك ليفُت العظام، والألم بفجيعتنا بك ليفتك بالأرواح، والجرح بمصابك لينزف كبرياء لا يُداوى.. ولكننا على يقين أشرق من دمك، أن الشعلة التي أوقدتها في أوردة هذه الأمة لن تطالها أيدي الخبو أو الانطفاء.
لقد أورثتنا طوداً شامخاً لا تهزه العواصف، ودماً زكياً لم يُهدر بل أينع نصراً مجيداً؛ إذ تتلاقى روحك اليوم في علياء الخلود مع أرواح أصفياء دربك؛ مع رفاق جهادك في كل جبهات المحور وصفوة الخلصاء الذين خطوا بالدماء الزكية الميثاق الأبدي للحرية.
وكما كنت أنت سيد الموقف في الميدان، فإن رفيق دربك وأخاك في سفر الفداء، السيد/عبد الملك بدر الدين الحوثي، يحمل الراية بيمين ثابتة لا ترتجف، ويؤكد للعالم أن هذه المسيرة المغروسة في أعماق الأرض لن تفرط ولن تحيد عن القبس الذي رسمته بدمك وكلمتك وسلاحك.
فاذكرنا يا أبا هادي، اذكرنا حين تتكسر أطياف الشوق في أوردة المكلومين، وأنت اليوم نزيل النعيم المقيم مع أجدادك الطاهرين، وفي ألطاف رحاب جدك المصطفى صلوات الله عليه وآله .. اذكرنا بجوار العرش، واشهد لنا أمام الله والشهداء أننا على الأثر نمضي، طوداً من اليقين لا تهزه العواصف، لم نُنكس لواءً، ولم نخلع درعاً، ولم نرد سلاحاً، ولم نهن أمام جحافل الظلم والغدر.
نعاهدك في حضرة الذكرى السنوية الثانية لارتقاءك يا صفوة السادة الشهداء، أن دمك الساكب سيظل القبس الملتهب الذي يشعل جذوة الحرية، وأن بيرقك اللامع لن يُنكس ما دام في صدورنا نفض قلب ينبض بالبأس والكبرياء.. سنبقى حيث كنت، ونقاتل حيث قاتلت، ونبقي قسم دمك الوعد الصادق الذي لا يُنكث، حتى يُرفع لواء النصر الأزلي خفاقاً فوق أهاضيب المسجد الأقصى، وتتهاوى عروش العُتاة متكسرة على صخرة صبر المجاهدين.
سلامٌ لروحك التي صعدت معشوقة كالشمس، تشق حجب الظلام ولا تواري ضياءها. سلامٌ لدمك الزكي الذي سال ليروي أرض الكرامة وينبت في وجدان الأمة شموخاً لا يُقهر، وثورة لا تهدأ. سلامٌ عليك يا حبيب المستضعفين، يا نبض الأحرار ويا شجا القلوب المكلومة.
سلامٌ يعانق طهر طيفك في الخالدين، سلامٌ يورق في كفي كل مجاهد يحمل السلاح على عهدك، وسلامٌ يُرتل مع زفرات الشوق في كل سَحَر، يوم ولدت، ويوم جاهدت، ويوم ارتقيت حياً مقداماً شهيداً في عليين.. وإنا على العهد باقون.