ذكرى العروج.. ثمار الموقف وتحقق الوعود

البيضاء نت | مقالات 

بقلم / أحمد الضبيبي

في الذكرى السنوية الثانية للعروج العظيم الذي زلزلت هيبته أركان الطغيان، وترجّفت له أفئده الأحرار، نقف اليوم وقفة إجلالٍ وخشوع، بقلوبٍ تفيض بحرارة العشق الأبدي، وعيونٍ تُبرق بومض الفخر والاعتزاز، وصدورٍ تعتصرها لوعة الشوق وألم الفقد الباهظ، كنتَ وما زلتَ القامة الشامخة التي تقصر عنها أبصار العتاة، والمدرسة الخالدة التي لا ينضب معينها ولا تتبدل معالمها مهما استعرت عواصف الزمن وتكالب أهل الباطل.

وفي سجل مآثر سيد شهداء الأُمة، السيد حسن نصر الله رضوان الله عليه، تتلألأ مواقفُ كثيرةٌ ستظل حاضرةً في ذاكرة الأحرار، غير أن موقفَه تجاه اليمن الصابر والشعب اليمني المستضعف يظل صفحةً ناصعةً، وموقفاً خالداً يسطعُ كشمس النهار، ويقف شاهداً على معدن الرجال حين تُختبرُ المواقف، وتنكشف معادن النفوس.

ففي زمنٍ عزَّ فيه النصير، وكثر فيه الخاذلون، وتوارت كثيرٌ من المواقف خلف ستار الصمت والتبرير، كان صوته وموقفه حاضراً بقوةٍ وثبات، صوتاً لا يعرف المواربة، ولا يجيد لغةَ أنصافِ المواقف، ولا يساوم على دماء المستضعفين وكرامتهم.

وحين انقضَّت قوى العدوان السعودي الامريكي على اليمن، تمطر مدنه وقراه ناراً، وتمعن في القتل والتدمير والحصار، كان الموقف الذي اتخذه سماحة السيد حسن نصر الله تعبيراً صريحاً عن رفض الظلم، وانحيازاً معلناً إلى جانب شعبٍ وجد نفسه في مواجهة آلةٍ عسكرية ضارية، وسط صمتٍ إقليمي ودولي أثقلته حسابات السياسة، وأرهقته ازدواجية المعايير.

وفي الوقت الذي ارتفعت فيه أصوات التخاذل والتبرير والمساومة، ارتفع صوته هادراً كالرعد، صادحاً بالحق، مُديناً العدوان السعودي على اليمن، وكاشفاً ما رآه من مؤامرات تستهدف اليمن وشعبه، ومعلناً تضامنه مع شعبٍ رأى فيه شعباً يقاومُ القهر والوصاية والعدوان.

لم يكن موقفه، في نظر الاخوة القادة المجاهدين في حزب الله، مجرّد خطاب عابر أو تعاطف موسمي تفرضه ظروف اللحظة، بل كان موقفاً راسخاً يراه تعبيراً عن منظومةٍ من المبادئ التي آمن بها، وفي مقدمتها نصرة المظلوم والوقوف إلى جانب المستضعفين، ولذلك جاء موقفه متجاوزاً للحسابات الضيقة، ومترفعاً عن منطق المصالح الآنية، ليضع قضية الإنسان وكرامتِه في مقدمة المشهد.

لقد أدركَ رضوان الله عليه أن المواقف الحقيقية لا تقاس بعلو الشعارات، وإنما تعرف عند اشتداد المحن، حين تتراجع الكلمات وتبقى الأفعال، وحين تضيق مساحات المناورة وتتسع مساحة الامتحان، ومن هذا المنطلق، رأى في الوقوف إلى جانب اليمن تعبيراً عن مبدأ أوسع يتصل بالحق والعدل ورفض العدوان.

وفي ذاكرة اليمنيين، سيظل هذا الموقف شاهداً على مرحلة مفصلية من تاريخهم، مرحلة امتزجت فيها الدماء بالحصار، والألم بالصمود، وتكشفت فيها وجوه المواقف على حقيقتها، وسيظل سيد المقاومة في وجدان الشعب اليمني، النبض الخافق في الشرايين، والروح التي تسري في هيكل الأمة، والقلب الكبير الذي احتضن جراحنا ومظلوميتنا، يوم أن أدار العالم ظهره، وتنكر لنا القريب والبعيد، وسيبقى حبنا لك عهدٌ أزليّ راسخ، منحوتٌ في صخور جبالنا الشمّاء، وارتباطنا بنهجك جذور عميقة امتدت لتضرب في أعماق إيماننا وصلابة هويتنا.

إن قيمة الموقف لا تكمن في الكلمات وحدها، بل في توقيتها، وفي ثبات صاحبها حين تتبدل الظروف وتتغير الحسابات.

وها نحن اليوم، من بين لظى المعارك وعنفوان التضحيات، نرفع لسماحتك يا سيد شهداء الامة ان وعدك لنا بالنصر تحقق اليوم، وان أولئك المحبون الأوفياء، الذين تمنيت يوماً أن تكون في صفوفهم جندياً ومجاهداً صاروا اليوم يمسكون بزمام المجد وبأعنة الممرات الاستراتيجية، في قلب البحر الأحمر، وعلى ثغور باب المندب الشامخ، وفي أمواج البحر العربي الهادرة، ولم يعد حضورهم وجود عابر، بل تحول إلى قوة ردع فاعلة فرضت بمعادلة حكيمة وقوية “الحصار بالحصار” على قوى الطغيان والعدوان التي سامت الشعب اليمني سوء العذاب طيلة اثني عشر عاماً من القتل وسفك الدماء والحصار الغاشم.

وهكذا بقي الموقف، قبل أن يبقى الخطاب، وبقيت الذكرى، قبل أن تطويها السنوات، لأن المواقف الصادقة، في وعي الشعوب، لا تدفن برحيل أصحابها، بل تتحول إلى ذاكرة تتناقلها الأجيال، وتظل شاهدة على أن زمن المحن هو وحده القادر على إظهار معدن الرجال، وأن التاريخ لا يحفظ كثرة الكلام بقدر ما يحفظ ثبات الموقف.

نم قرير العين، يا سيد الوفاء، فما زرعته في قلوب محبيك من مواقف وذكريات لن تذروه رياح النسيان، لن تكون الذكرى مجرد دمعة عابرة، ولا الوفاء مجرد كلماتٍ تقال في موسم الذكريات، فالأثر الحقيقي للرجال يقاس بما يتركونه في الوعي، وبما ترويه عنهم الأجيال.

وفي اليمن، سيبقى اسمك حاضراً في ذاكرة الشعب اليمني، وفي كلماتك اعترافاً بوجعهم على رحيلك، وفي خطابك مساحة للتعبير عن قضية عاشوا تفاصيلها بكل ما فيها من ألمٍ وصمود.
سلامٌ على روحٍ رحلت، وسلامٌ على موقفٍ بقي، وسلامٌ على ذكرى لا تريد لها القلوب أن تموت، وإنّا على عهد الوفاء ما بقي في الصدر نبض، وفي الذاكرة متسعٌ للحكاية.

رحمك الله يا عزيز اليمن، وجعل ذكراك باقيةً في صفحات التاريخ، ما بقيت للأوفياء ذاكرة، وللمواقف قيمة، وللكلمة أثر.