العراق بين ضغط العقوبات ورسائل الأمن.. اختبار جديد للسيادة والقرار الوطني

البيضاء نت | تقرير خاص 

تدخل الساحة العراقية مرحلة جديدة من التوتر السياسي والاقتصادي، في ظل تداعيات العقوبات الأمريكية المفروضة على قطاعات مرتبطة بإيران، وما رافقها من قيود على حركة الطيران بين البلدين، الأمر الذي انعكس على حركة المسافرين والمرضى والطلبة والزائرين، وأثار مخاوف بشأن تداعياته على قطاعات حيوية، من بينها الطاقة والتجارة والاستقرار الداخلي.

وبحسب ما أوردته وكالة «فارس» الإيرانية، تسببت العقوبات الأمريكية وتجميد حركة الطيران الإيراني بآثار مباشرة على أربعة قطاعات أساسية في العراق، شملت تعثر الرحلات السياحية، وتأثر حركة المرضى والطلبة، فضلاً عن المخاوف المرتبطة بإمدادات الطاقة والتبادل التجاري.

وتأتي هذه التطورات في وقت تسعى فيه بغداد إلى معالجة تداعيات القيود المفروضة على الرحلات الجوية، والحصول على استثناءات تسمح باستمرار حركة الطيران المدني، ولا سيما الرحلات المرتبطة بالعلاج والتعليم والزيارات الدينية.

تداعيات تتجاوز المطارات

لا تقتصر آثار تعليق الرحلات على إلغاء الحجوزات أو تغيير مسارات السفر، إذ يواجه آلاف العراقيين صعوبات متزايدة في الوصول إلى المؤسسات الطبية والجامعات الإيرانية، فيما يضطر المسافرون إلى استخدام الطرق البرية، التي تستغرق وقتاً أطول وتفرض تكاليف إضافية.

كما يهدد استمرار القيود حركة السياحة الدينية والتبادل التجاري بين البلدين، في وقت تمثل فيه العلاقات الاقتصادية بين العراق وإيران رافداً مهماً لقطاعات النقل والخدمات والأسواق المحلية.

وتزداد حساسية الموقف في ملف الطاقة، نظراً إلى اعتماد العراق على واردات إيرانية في مجالي الغاز والكهرباء. ومن شأن تشديد القيود أو تعقيد التحويلات المالية أن يضع الحكومة العراقية أمام تحديات إضافية تتعلق بتأمين الإمدادات والحفاظ على استقرار الشبكة الكهربائية.

السيادة في مواجهة الضغوط الخارجية

سياسياً، أعادت الأزمة إلى الواجهة الجدل بشأن استقلال القرار العراقي وحدود الضغوط الخارجية على مؤسسات الدولة.

وقال رئيس المجلس السياسي لحركة النجباء، الشيخ علي الأسدي، إن خضوع القرار الرسمي للضغوط الأمريكية في ملف الطيران يمثل، بحسب تعبيره، انتقاصاً من الإرادة الوطنية وإضعافاً للقرار العراقي في الجانبين الاقتصادي والأمني.

ويرى مراقبون أن الحكومة العراقية تواجه معادلة معقدة، تتمثل في ضرورة الالتزام بالتعهدات الدولية وتجنب العقوبات، بالتزامن مع حماية مصالح المواطنين والحفاظ على علاقاتها الإقليمية. كما أن استمرار الأزمة قد يحول ملف الطيران من قضية إدارية إلى عنوان أوسع للصراع حول السيادة والنفوذ الخارجي.

تحذيرات أمنية ومخاوف من الفتنة

على المستوى الأمني، تحدث الأسدي عن وجود تحركات لتشكيل مجموعات لتنفيذ عمليات اغتيال، محذراً من مخططات تهدف إلى إشعال التوتر بين فصائل المقاومة والأجهزة الأمنية الرسمية عبر توريط بعض الشخصيات.

ولا تزال هذه التحذيرات في إطار التصريحات السياسية والأمنية، بانتظار ما إذا كانت الجهات الحكومية المختصة ستعلن نتائج تحقيقات أو تقدم معلومات تفصيلية بشأنها. غير أن خطورتها تكمن في توقيتها، إذ تأتي بالتزامن مع تصاعد الضغوط الاقتصادية والسياسية، وتزايد الخلاف بشأن مستقبل الوجود والنفوذ الأجنبي في العراق.

ويحذر مراقبون من أن وقوع أي حادث أمني كبير قد يؤدي إلى رفع مستوى الاحتقان الداخلي، وتعقيد العلاقة بين القوى السياسية، وإضعاف قدرة المؤسسات الرسمية على إدارة الخلافات عبر القنوات الدستورية.

خيارات مفتوحة بين التفاوض والتصعيد

حتى الآن، تبدو الخيارات العراقية محصورة بين مسارين رئيسيين؛ أولهما دبلوماسي، يركز على التفاوض مع الجانب الأمريكي للحصول على استثناءات للرحلات المدنية، وحماية المطارات والشركات العراقية من تداعيات العقوبات.

أما المسار الثاني، فيتمثل في تصعيد سياسي وشعبي قد يأخذ شكل تحركات جماهيرية ضاغطة، للمطالبة باستعادة حركة الطيران ورفض ما تعتبره قوى سياسية تدخلاً في القرار الوطني.

وتبقى قدرة الحكومة على إدارة الأزمة مرهونة بمدى نجاحها في تحقيق توازن بين التزاماتها الخارجية واحتياجات مواطنيها، عبر ضمان وصول المرضى والطلبة، وتوفير بدائل مناسبة للمسافرين، والحفاظ على تدفق الطاقة، ومنع استخدام الأراضي العراقية ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

في المحصلة، لا تبدو أزمة الطيران مجرد خلاف فني أو إجراء مرتبط بالعقوبات، بل تمثل اختباراً مركباً لقدرة بغداد على حماية سيادتها ومصالح مواطنيها، ومنع انعكاس التوترات الإقليمية على الاستقرار الداخلي.

وبينما تتجه الأنظار إلى نتائج الاتصالات العراقية ـ الأمريكية ومسار التفاهمات مع طهران، يبقى التحدي الأبرز أمام الدولة العراقية هو تحويل شعار السيادة إلى سياسة عملية، تحمي القرار الوطني وتضع مصالح المواطنين في مقدمة الأولويات