من شرعنة الحرب في اليمن إلى الصمت عن غزة: ازدواجية الخطاب الديني؟

البيضاء نت | تقرير خاص 

أعاد بيان مفتي السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء، الشيخ صالح الفوزان، بشأن جماعةأنصار الله، فتح النقاش حول دور المؤسسة الدينية الرسمية في دعم الخيارات السياسية والعسكرية للمملكة، وحول مدى اتساق هذا الخطاب مع المواقف المعلنة تجاه الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.

ففي بيان وُجّه إلى القوات السعودية وقوات التحالف والمرابطين على الحدود، وصف الفوزان أنصار الله بأنهم «عصابة شر ودسيسة الأعداء»، واتهمهم بالفساد في العقيدة والمنهج، والخروج على ولاة الأمر، واستحلال دماء المسلمين وتدمير المساجد، كما دعا القوات إلى الصبر والمرابطة والسمع والطاعة للقيادة العسكرية، معتبراً أن إعادة الأمن والاستقرار إلى اليمن «من أوجب الواجبات». 

فتوى تمنح الحرب غطاءً دينياً

لم يأتِ البيان في صورة إدانة سياسية أو أمنية للحوثيين فحسب، بل استخدم لغة دينية عالية النبرة، فقد قدّم القوات المرابطة باعتبارها تؤدي واجباً شرعياً وتدافع عن مقدسات المسلمين، ووصف قوات التحالف بأنها على «ثغر عظيم» وفي «مهمة شريفة جليلة». كما دعا إلى توحيد الصفوف وتنفيذ أوامر القادة في الميدان. 

وتمنح هذه العبارات الحرب في اليمن غطاءً دينياً يتجاوز التفسير العسكري للصراع. فحين يُقدَّم طرف بوصفه «عدواً» و«فرقة ضالة» وجماعة منحرفة، يصبح الخلاف السياسي والعسكري أقرب إلى مواجهة عقائدية، الأمر الذي قد يزيد الاستقطاب ويضعف فرص الحوار والتسوية.

أما المؤيدون للبيان، فيرون أن أنصار الله يشكلون تهديداً مباشراً لأمن السعودية واليمن، خصوصاً مع تصاعد الهجمات على مدن سعودية واستهداف سفن في البحر الأحمر. ومن هذا المنظور، يأتي الخطاب الديني لتثبيت معنويات القوات وتأكيد مشروعية الدفاع عن الحدود والمقدسات. 

من أمن الحدود إلى سؤال غزة

في المقابل، يطرح منتقدون سؤالاً جوهرياً: لماذا تظهر مفردات «الواجب» و«المرابطة» و«الدفاع عن المقدسات» بهذه القوة عند الحديث عن الحوثيين، بينما لا يظهر خطاب مماثل بالوضوح نفسه تجاه إسرائيل والحرب على غزة؟

ويستند هذا الانتقاد إلى مقارنة بين بيان مفصل وحاد ضد جماعة يمنية، وبين ما يصفه منتقدون بغياب أو محدودية البيانات الدينية الرسمية المتعلقة بالانتهاكات الإسرائيلية في غزة. فبالنسبة إلى هؤلاء، لا تكمن المشكلة في إدانة الحوثيين، بل في انتقائية استخدام المفاهيم الشرعية؛ إذ تُستدعى الفتوى لتعبئة المقاتلين في جبهة معينة، بينما تُدار قضية فلسطين غالباً ضمن لغة سياسية أو دبلوماسية أكثر تحفظاً.

لكن من الضروري التفريق بين «غياب موقف في بيان محدد» و«إثبات الصمت المطلق». فالبيان موضوع النقاش مخصص للحوثيين والقوات المرابطة، ولا يتناول إسرائيل أو غزة، ولذلك فإن وصف الموقف بأنه «صمت» يحتاج إلى تحديد زمني ومؤسسي دقيق، يشمل بيانات المفتي وهيئة كبار العلماء والجهات الرسمية الأخرى، حتى لا يتحول النقد المشروع إلى تعميم غير موثق.

ازدواجية المعايير أم اختلاف الحسابات؟

يرى منتقدو المؤسسة الدينية السعودية أن الخطاب الديني الرسمي يتأثر بموقع الخصم من السياسة الخارجية للدولة، فالحوثيون يُقدَّمون بوصفهم تهديداً أمنياً وعقائدياً يستوجب المواجهة، بينما لا تُقدَّم إسرائيل، رغم استمرار الحرب وسقوط المدنيين، ضمن الإطار الديني التعبوي نفسه.

في المقابل، قد تبرر السلطات هذا الاختلاف بأن لكل ملف سياقه السياسي والأمني، وأن مواجهة جماعة مسلحة على الحدود تختلف عن التعامل مع حرب دولية معقدة. غير أن اختلاف السياقات لا يلغي ضرورة وجود معيار أخلاقي ثابت: رفض قتل المدنيين، وإدانة استهداف الأحياء السكنية، والدعوة إلى حماية الإنسان أياً كان الطرف المعتدي.

كما أن استخدام المصطلحات الدينية في النزاعات العسكرية يفرض مسؤولية أكبر على المؤسسات الدينية؛ لأن وصف الخصوم بأنهم «فرقة ضالة» أو «عصابة شر» قد يرفع منسوب الكراهية ويجعل التسويات السياسية أكثر صعوبة. وفي المقابل، فإن تجنّب اللغة الحادة تجاه طرف آخر قد يُفهم باعتباره تساهلاً أو ازدواجية، حتى لو كان المقصود الحفاظ على هامش دبلوماسي.

الخلاصة

يكشف بيان مفتي السعودية بشأن اليمن عن تداخل واضح بين الخطاب الديني والموقف الأمني والسياسي للمملكة، فقد منح البيان المواجهة في اليمن شرعية دينية مباشرة، ودعا القوات إلى الثبات والطاعة والمرابطة، وربط استعادة الاستقرار في اليمن بواجب شرعي وأمني.  

أما الجدل حول غزة، فيتعلق بمدى اتساق هذا الخطاب مع المواقف من إسرائيل؛ فالمسألة ليست في رفض لموقف اليمن أو الدفاع عن أمن السعودية، بل في السؤال عن معيار ثابت لا يتغير بتغير الخصم: هل تكون حرمة الدماء والمقدسات مبدأً عاماً، أم تُستخدم بصورة انتقائية وفقاً للتحالفات السياسية؟

وبينما تحتاج هذه القضية إلى توثيق أوسع للمواقف الرسمية من غزة وإسرائيل، فإن المقارنة المطروحة تظل كاشفة عن أزمة أعمق في الخطاب الديني الرسمي: كيف يمكن للمؤسسة الدينية أن تحافظ على مصداقيتها عندما تبدو شديدة الحضور في تبرير حرب، ومحدودة الحضور في إدانة حرب أخرى؟