المعركة الأخيرة بين الرياض.وصنعاء

البيضاء نت | مقالات 

بقلم / عادل الحسني

بتقديري الشخصي، وبناءً على معرفتي بمجريات الحرب ومؤشراتها، أعتقد أن هذه المواجهة الدائرة بين الرياض وصنعاء قد تكون المعركة الأخيرة والفاصلة في صراع أنهك اليمن لأكثر من أحد عشر عامًا.
بعد هدنة 2 أبريل 2022، التي انتهت رسميًا في 2 أكتوبر من العام نفسه، استمرت التهدئة النسبية لسنوات، وظلت الآمال معلقة على تحويلها إلى سلام دائم، خصوصًا بعد التفاهمات التي رعتها سلطنة عُمان وما عُرف بخارطة الطريق.
لكن ما جرى لاحقًا يوحي بأن الاستعداد للحرب لم يتوقف؛ فصنعاء كانت تتحسب لجولة جديدة، فيما كانت السعودية، من وجهة نظري، تتهيأ هي الأخرى، عبر تدريب وتجهيز تشكيلات عسكرية كبيرة، قوامها يتجاوز المائة ألف مقاتل، بل قد يفوق هذا الرقم.
وكان أخطر ما يمكن أن يحدث أن تتحول الحرب من صراع سياسي وعسكري إلى صراع مذهبي، يُدفع فيه اليمنيون إلى قتل بعضهم بعضًا تحت شعارات دينية، بينما تبقى المصالح السياسية هي المحرك الحقيقي.

سياسيًا، لم تكن الرياض، في تقديري، جادة بما يكفي في تنفيذ خارطة الطريق، خصوصًا في الملفات الإنسانية وفتح المطارات والموانئ وصرف المرتبات.، وكانت تُبرر التعثر بموقف صنعاء من حرب غزة وعمليات البحر الأحمر، الأمر الذي اعترف ضمنيًا بما إذا كان القرار في الرياض أم لدى المجتمع الدولي، وبهوية من يملك مفاتيح القيود المفروضة على اليمن.
لا تستطيع السعودية التنصل من مسؤوليتها عن استمرار هذه القيود، كما لا يجوز أن تتحول المواقف الدولية إلى ذريعة لإبقاء ملايين اليمنيين رهائن للصراع السياسي.

فترة كانت بين الشد والجذب، ومحاولات من التقارب الهش، قبل أن ينفجر لتصعيد عسكريًا، من استهداف مطار صنعاء على خلفية محاولة هبوط الطائرة الإيرانية، إلى الغارات السعودية والتحشيدات العسكرية وإعلان الحرب الشاملة.
في المقابل، تحركت قوات صنعاء في تعز والحديدة، وامتدت العمليات إلى العمق السعودي، وتعرض السعودية لأول مرة في تاريخها المعاصر لهذا الكم من الضربات والخسائر نتيجة استهداف مطارات ومنشآت نفطية
وهكذا انتقل الصراع إلى مرحلة أكثر خطورة، ارتفعت معها الكلفة العسكرية والاقتصادية والإنسانية على الجميع.

نحن أمام معركة كسر عظم، مختلفة عمّا سبقها، وقد يدرك فيها الطرفان أن الحرب لن تمنح أيًا منهما سلامًا، فإما واقع سياسي جديد ينهي الوصاية الخارجية ويمنح اليمنيين حق تقرير مستقبلهم، تحصل على ضوئه القوى في صنعاء على مكاسب كبيرة، أو تصعيد سعودي واسع يصل إلى محاولة دخول صنعاء، وهو احتمال أستبعده بالنظر إلى تعقيدات الجغرافيا وتجربة السنوات الماضية.

ومع ذلك، يبقى السلام ممكنًا، إذا توفرت الإرادة المتبادلة، والتنازلات من جميع الأطراف لتجنيب اليمن واليمنيين ويلات حرب عاصفة.
وإذا ما أرادت الأطراف تغليب لغة السلام، فإنَّ البداية تكون بوقف شامل ومتبادل لإطلاق النار، ثم العودة إلى مسار مسقط برعاية عُمانية وأممية، وتنفيذ خارطة الطريق بجدول زمني واضح، ويجب أن يبدأ المسار بالملف الإنساني، فتح المطارات، وتسهيل دخول الغذاء والدواء والوقود، وصرف المرتبات، وفتح الطرق، وتبادل الأسرى والمحتجزين.
وبالتوازي، يجب أن تدخل الرياض وصنعاء في تفاهمات أمنية مباشرة تضمن أمن الحدود والمنشآت المدنية، مع وقف تمويل وتسليح التشكيلات التي تطيل الحرب، وإطلاق حوار يمني شامل لا يُقصي أحدًا، يعالج جذور الأزمة ويحدد شكل الدولة ومستقبل الحكم بعيدًا عن الإملاءات الخارجية.

احترام سيادة اليمن واستقلال قراره يجب أن يقابله التزام يمني واضح بعدم تهديد أمن دول الجوار أو استخدام الأراضي اليمنية للاعتداء عليها، وأي اتفاق لن يصمد من دون ضمانات متبادلة وآلية تنفيذ ورقابة تمنع تحويل السلام إلى هدنة مؤقتة يستعد الجميع خلالها لحرب جديدة.
لا أتمنى الضرر للشعب السعودي الشقيق، كما لا أقبل استمرار نزيف دمنا اليمني، فالشعبان جاران، تجمعهما روابط الدين والعروبة والتاريخ والمصير، ومصلحة كليهما في السلام لا في الحرب.
لكن على الرياض أن تدرك أن اليمن ليس ساحة مفتوحة للوصاية والتجارب العسكرية، وقد جرَّبت السعودية الكثير من الطرق على مدى عقود طويلة، وعليها أن تستوعب أنَّ زمن الوصاية على اليمن انقضى، وإذا ما أرادت ضمان أمن المملكة الحقيقي فلتحرص على مد جسور من الجوار المتين، والاحترام المتبادل.
وعلى صنعاء أن تدرك كذلك أن الانتصار الحقيقي ليس في اتساع السيطرة العسكرية، وإنما في تحويل أي مكاسب إلى سلام يحفظ دماء اليمنيين ويؤسس لدولة تتسع للجميع، والابتعاد عن الفكر الضيق الذي يقصي كل مخالف، وأن تتعامل مع حجم اليمن الكبير.

أقولها مجددًا، أعتقد أننا أمام المعركة الأخيرة بين الرياض وصنعاء؛ فإما أن تنتهي بسلام حقيقي يحفظ كرامة الجميع، ويحقن الدماء ويجنبنا خسائر تكسر الظهر، وإما أن تفرض نتائجها واقعًا جديدًا يغيّر طبيعة العلاقة بين اليمن والسعودية لعقود قادمة، وكلي رجاء أن تكون إيجابية.
اللهم احقن دماء الشعبين، وألّف بين القلوب، واجعل نهاية هذه الحرب بداية سلام دائم وعادل.