طوفان الأقصى.. حين انقلبت المعادلة وامتدّ الطوفان إلى جبهات الإسناد
البيضاء نت | مقالات
بقلم / وفاء الكبسي
ليست كلُّ المعارك تبدأ حين تُطلق الرصاصة الأولى، فبعض المعارك تبدأ حين تنكسر في الوعي صورةٌ ظلت تُقدَّم لسنوات باعتبارها حقيقةً لا تُمس.
وفي السابع من أكتوبر 2023، لم يكن العالم أمام حدثٍ عسكري عابر؛ كان أمام لحظةٍ اهتزت فيها صورةٌ كاملة، وانفتح فيها المشهد الفلسطيني على مرحلةٍ جديدة، حملت اسمًا صار علامةً في ذاكرة الصراع: طوفان الأقصى.
فمن قلب غزة، خرجت عمليةٌ مفاجئةٌ أربكت الحسابات الإسرائيلية، واخترقت الحواجز والتحصينات، وبدّلت خلال ساعاتٍ كثيرةً من معادلات القوة التي بدا أنها استقرت طويلًا.
ولم يكن الطوفان مجرد عبورٍ للحواجز؛ بل كان عبورًا من صورةٍ إلى صورة، ومن مرحلةٍ إلى أخرى، ومن حالةٍ اعتاد فيها الاحتلال أن يفرض إيقاع المشهد، إلى مشهدٍ وجد نفسه فيه أمام مفاجأةٍ لم تكن في حساباته.
أولًا: طوفان الأقصى.. يوم اهتزّت الصورة
جاءت العملية في توقيتٍ شديد الحساسية، وبعد سنواتٍ من التصعيد والاقتحامات والاستيطان والحصار والاعتقالات، وفي ظل واقعٍ فلسطيني بدا محاصرًا بين انسداد الأفق السياسي واستمرار الاحتلال.
وكانت المفاجأة أحد أبرز عناصرها؛ إذ تمكنت المقاومة الفلسطينية من تنفيذ هجوم واسع من البر والبحر والجو، والوصول إلى مواقع ومستوطنات ومواقع عسكرية داخل المناطق المحاذية لقطاع غزة.
وفي ذلك اليوم، لم تكن الصدمة في حجم العملية وحده، وإنما في انهيار الصورة التي صنعتها المنظومة الأمنية الإسرائيلية عن قدرتها على الإحاطة بغزة والسيطرة على مفاجآتها.
فإذا كانت الجدران قد بُنيت لمنع العبور، فإن الطوفان أثبت أن الجدار لا يصنع أمنًا دائمًا، وأن التفوق التقني لا يعني بالضرورة امتلاك زمام التاريخ.
ثانيًا: لماذا جاء الطوفان؟
لم يهبط طوفان الأقصى من فراغ، ولم يكن وليد لحظةٍ منفصلةٍ عن سياقها؛ فالوقائع التي سبقته كانت تتراكم عامًا بعد عام.
اغتيالات، واعتقالات، واقتحامات، وتوسع استيطاني، وتهويدٌ متواصل، وحصارٌ طال غزة، وتضييقٌ على الفلسطينيين في القدس والضفة، واقتحاماتٌ للمسجد الأقصى، وانسدادٌ سياسي جعل الاحتلال واقعًا ممتدًا بلا أفقٍ واضح للحل.
وفي قلب ذلك كله بقي الأقصى حاضرًا بوصفه رمزًا يتجاوز المكان، وبقي الفلسطيني يرى أمامه أرضًا تُنتزع، وبيوتًا تُهدم، وأسرًا تُفجع، وأجيالًا تنشأ تحت الاحتلال.
ثم جاءت التحولات الإقليمية، ومسارات التطبيع، ومحاولات إعادة ترتيب المنطقة بعيدًا عن جوهر القضية الفلسطينية، لتضيف شعورًا فلسطينيًا بأن القضية تُدفع إلى هامش المشهد، وأن الزمن يعمل لصالح تثبيت واقع الاحتلال.
ومن هنا يمكن قراءة الطوفان باعتباره انفجارًا في سياقٍ طويل من التراكمات، لا حدثًا منفصلًا عن بيئته السياسية والميدانية.
فحين يُغلق باب السياسة، وتتراكم المظالم، ويستمر الاحتلال، يصبح انفجار الواقع مسألة وقت.
ثالثًا: غزة.. الإنسان الذي يقف خلف الأرقام
لكن أخطر ما يمكن أن تفعله الحروب أن تحوّل الإنسان إلى رقم.
وراء كل رقمٍ في غزة أمٌّ تبحث عن طفلها، وطفلٌ يبحث عن أبيه، وبيتٌ كان يحمل ذاكرة أسرة، ومدرسةٌ كانت تمتلئ بالأصوات، وشارعٌ كانت له حكاية.
ولهذا فإن قراءة طوفان الأقصى لا تكتمل عند حدود الخريطة العسكرية؛ فثمة إنسانٌ فلسطيني عاش سنواتٍ من الحصار والخوف والاقتلاع، ثم وجد نفسه أمام حربٍ واسعةٍ غيّرت تفاصيل حياته، ودفعت بمئات الآلاف إلى النزوح، وخلّفت أعدادًا هائلة من القتلى والجرحى والدمار.
وهنا يصبح السؤال الأخلاقي حاضرًا بقوة:
ماذا يحدث للإنسان حين تتحول الحرب إلى واقعٍ يومي؟
غزة لم تكن في الطوفان مجرد جغرافيا؛ كانت إنسانًا يُختبر أمام العالم، وكانت أمًّا تودّع، وطفلًا ينام على صوت القصف، وطبيبًا يعمل وسط الركام، وأسرةً تحمل ما تبقى من بيتها وتمضي.
ولهذا بقيت غزة حاضرةً في الضمير العالمي، لا بوصفها عنوانًا سياسيًا فحسب، وإنما بوصفها مأساةً إنسانيةً مفتوحة.
رابعًا: الطوفان.. ومعركة الوعي والرواية
لم تكن الحرب في غزة حرب سلاحٍ فقط؛ كانت كذلك حربًا على الصورة، والرواية، والوعي.
ففي زمنٍ يستطيع فيه الهاتف المحمول أن ينقل المشهد من تحت الركام إلى ملايين البشر في اللحظة نفسها، لم تعد الرواية الرسمية وحدها قادرةً على احتكار الصورة.
صور الأطفال، والمستشفيات، والنازحين، والبيوت المدمرة، وأصوات الأمهات، والمشاهد القادمة من غزة، أصبحت جزءًا من معركةٍ أخرى: معركة تفسير ما يحدث، ومن يملك حق روايته.
وهنا ظهر بوضوح أن السيطرة على الأرض لا تعني بالضرورة السيطرة على الوعي.
فالإنسان الذي يرى المشهد بعينه، ويسمع صوته، ويتابع تفاصيله، يصبح قادرًا على طرح أسئلةٍ جديدة حول العدالة، والقانون، وحقوق الإنسان، وطبيعة القوة المستخدمة في الحرب.
لقد تحولت غزة إلى شاشةٍ مفتوحة على العالم، ووجدت الروايات المتنافسة نفسها أمام اختبار الصورة.: خامسًا: حين اهتزّت صورة الجيش الذي لا يُقهر كان من أبرز آثار طوفان الأقصى أنه أحدث اهتزازًا عميقًا في صورة القوة العسكرية والأمنية الإسرائيلية.
لسنواتٍ طويلة، ارتبطت صورة إسرائيل في الوعي العالمي والإقليمي بالتفوق العسكري والتقني، وبمنظومة أمنية قادرة على الرصد والإنذار والاستباق.
لكن ساعاتٍ قليلة في السابع من أكتوبر أظهرت أن هذه المنظومات ليست عصيةً على الاختراق، وأن التفوق العسكري لا يمنع المفاجأة، ولا يلغي قدرة الخصم على إرباك الحسابات.
فقد اهتزت صورة الجيش الذي لا يُقهر، وتبدلت صورة المؤسسة الأمنية التي لا تُفاجأ، ووجدت إسرائيل نفسها أمام أسئلةٍ داخلية وخارجية حول ما حدث وكيف حدث.
ولم يكن ذلك مجرد خللٍ ميداني؛ فالصور التي خرجت من ذلك اليوم حملت معها أثرًا نفسيًا وسياسيًا واسعًا، وأعادت تشكيل النقاش حول مفهوم الردع وحدود القوة.
سادسًا: اليمن.. حين أصبح الإسناد موقفًا وميدانًا
وفي خضم هذا المشهد، لم يكن اليمن بعيدًا عن نار المعركة.
فمنذ اللحظات الأولى للعدوان على غزة، قُرئت القضية في اليمن باعتبارها امتحانًا للموقف، لا مجرد حدثٍ يجري في مكانٍ بعيد.
ومن هنا تحوّل الموقف اليمني إلى جبهة إسناد ارتبطت بما يجري في فلسطين، واتخذت أشكالًا عسكرية وإعلامية وسياسية، امتدت من السماء إلى البحر.
فالصاروخ والطائرة المسيّرة لم يعودا في هذا السياق مجرد أدواتٍ عسكرية، بل أصبحا جزءًا من رسالةٍ تقول إن المسافة الجغرافية لا تعني بالضرورة غياب التأثير.
غزة تقاوم من تحت الركام، واليمن يفتح جبهة الإسناد من وراء البحر، وبينهما قضيةٌ واحدة لا تعترف بالمسافات: فلسطين.
وهكذا دخل البحر الأحمر وباب المندب في قلب المشهد، وتحولت الجغرافيا اليمنية إلى عنصرٍ حاضر في معادلات الحرب، بعدما أصبحت الملاحة المرتبطة بإسرائيل جزءًا من دائرة الاستهداف والضغط.
ولم يكن ذلك بمعزلٍ عن الواقع اليمني نفسه؛ فاليمن الذي عاش سنواتٍ من الحرب والحصار، وجد في فلسطين قضيةً يرى فيها امتدادًا لموقفه من الصراع والهيمنة والاحتلال.
وهكذا اجتمعت في المشهد مفارقةٌ لافتة:
بلدٌ يخرج من حربٍ وحصار، ليفتح جبهة إسنادٍ لقضيةٍ تقع على مسافة آلاف الكيلومترات.
سابعًا: البحر الأحمر.. حين اتسعت خريطة الطوفان
لم تبقَ تداعيات الحرب محصورةً في غزة.
فمع دخول البحر الأحمر وباب المندب في دائرة المواجهة، اتسعت الخريطة، وأصبح للممرات البحرية الدولية حضورٌ مباشر في حسابات الحرب.
وأصبحت السفن المرتبطة بإسرائيل، وفق الموقف اليمني المعلن، جزءًا من دائرة الاستهداف، بينما تحولت الملاحة في البحر الأحمر إلى ملفٍ دولي حاضر في المشهد.
وهكذا بدا أن الحرب التي بدأت في غزة لم تعد تُقرأ ضمن حدودها الجغرافية فقط؛ فقد تمددت آثارها إلى المجال الإقليمي والدولي، وأصبحت تداعياتها تمس الأمن البحري والتجارة وحسابات القوى الدولية.
فحين تضيق جغرافيا المعركة، قد تتسع آثارها.
وهكذا كان البحر واحدًا من الأماكن التي كشفت أن تداعيات طوفان الأقصى تجاوزت حدود القطاع.
ثامنًا: من غزة إلى العالم.. طوفانٌ أعاد القضية إلى الواجهة
قبل السابع من أكتوبر، كانت القضية الفلسطينية تواجه خطرًا حقيقيًا يتمثل في تراجع حضورها في أولويات بعض الأجندات الدولية والإقليمية.
لكن الحرب أعادت فلسطين إلى مركز المشهد العالمي.
وعادت صور القدس وغزة والأقصى والاحتلال والحصار إلى واجهة النقاش الدولي، وخرجت احتجاجات شعبية واسعة في مدنٍ مختلفة حول العالم، كما تصاعد الجدل السياسي والقانوني حول الحرب وسلوك أطرافها.
وهكذا، حتى مع اختلاف المواقف الدولية وتباين القراءات، أصبح من الصعب التعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها ملفًا هامشيًا مؤجلًا.
لقد أعاد الطوفان فتح السؤال الذي حاولت السنوات أن تطويه:
ماذا يعني أن يعيش شعبٌ تحت الاحتلال؟
وما الذي يمكن أن يحدث حين تُترك القضية بلا حل، وتُرحّل الأسئلة من عامٍ إلى عام؟
تاسعًا: ماذا بعد طوفان الأقصى؟
بعد عامين، لا يمكن اختزال طوفان الأقصى في يومٍ واحد، ولا في عمليةٍ عسكرية مهما كان حجمها؛ لأن بعض الأحداث لا تنتهي بانتهاء يومها، بل تبدأ آثارها الحقيقية بعد ذلك.
كان من أبرز ما كشفه الطوفان اهتزاز صورة القوة الإسرائيلية؛ صورة الجيش الذي لا يُقهر، والمنظومة الأمنية التي لا تُخترق، والحدود التي لا يمكن تجاوزها.
في ساعاتٍ قليلة، انقلبت الصورة.
الجدار لم يعد رمزًا للأمان المطلق، والتفوق التقني لم يعد ضمانةً لعدم المفاجأة، والمنظومة العسكرية التي قُدمت طويلًا بوصفها متماسكةً وقادرةً على الردع وجدت نفسها أمام حدثٍ أربك حساباتها.
لكن الطوفان لم يهز صورة القوة وحدها؛ فقد جاءت الحرب التي تلته لتضع صورة إسرائيل أمام العالم تحت اختبارٍ أخلاقي وإنساني وسياسي غير مسبوق.