من “بحيرة أمريكية” إلى “طرد مهين”: كيف أعادت حرب غزة رسم خريطة حروب البحار الأمريكية؟

البيضاء نت | تقرير 

 

شهدت الاستراتيجية الأمريكية الكبرى تحولاً جذرياً بعد الفشل في حروب اليابسة الطويلة في العراق وأفغانستان، حيث تبنت واشنطن عقيدة جديدة ترتكز على “حروب البحار” كأداة رئيسية لفرض الهيمنة العالمية، هذه العقيدة، التي تحدث عنها قادة عسكريون أمريكيون بارزون مثل الجنرال ديمبسي والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تقوم على فكرة أن السيطرة على العالم القديم، أو ما يُعرف بـ “أوراسيا”، تتم عبر التحكم في مفاصلها البحرية الحيوية.

تحدد الرؤية الأمريكية أوراسيا بأنها المنطقة الواقعة بين حدود البحار الخمسة: البحر المتوسط، والبحر الأحمر، وبحر قزوين، والخليج العربي (ومضيق هرمز)، وبحر العرب، كان الهدف هو إحكام القبضة على هذه الممرات لضمان التفوق الجيوسياسي، لكن التطورات الأخيرة، خاصة في أعقاب حرب “طوفان الأقصى”، كشفت عن تآكل سريع في هذه الهيمنة، لاسيما في أهم هذه البحار.

صدمة البحر الأحمر: نهاية “البحيرة الأمريكية”

كان البحر الأحمر يُعتبر، حتى وقت قريب، “بحيرة أمريكية” بامتياز، يمثل ركيزة أساسية في استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة. إلا أن المواجهة المباشرة مع اليمن، التي جاءت على خلفية حرب غزة، أحدثت تحولاً استراتيجياً غير مسبوق.

يشير التحليل إلى حقيقة قد يتردد البعض في الاعتراف بها: نجاح اليمن، بإمكاناته المتواضعة، في إخراج القوة العظمى المهيمنة على العالم من البحر الأحمر عملياً، هذا التراجع لم يكن مجرد انسحاب تكتيكي، بل وصل إلى حد أن الاستراتيجية الأمريكية الأخيرة للأمن القومي لم تعد تذكر البحر الأحمر كمنطقة أمن قومي أمريكي، في دلالة واضحة على فقدان السيطرة والنفوذ.

التوسع في المفهوم: الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر لا تقتصر على الأمن العسكري، بل تتعداه إلى كونه شريان التجارة العالمية عبر قناة السويس. أي تراجع أمريكي هنا يعني تهديداً مباشراً لحركة الملاحة الدولية، وتصاعداً في نفوذ قوى إقليمية ودولية أخرى تسعى لملء الفراغ، مما يعيد تشكيل موازين القوى في المنطقة بأسرها.

البحر الأسود: بوابة روسيا العالمية ومأزق تركيا

في الشمال، يظل البحر الأسود هو ساحة المنازلة الكبرى على النفوذ الروسي العالمي. لطالما كان هذا البحر هو المدخل الأساسي لانتشار القوة والبضائع الروسية إلى ما وراء البحار، بدءاً من عهد الإمبراطورية القيصرية، وتحديداً في زمن كاترين العظيمة التي بنت الأسطول الضخم واتخذت من سيفاستوبول مقراً له.

السيطرة على هذا البحر كانت تاريخياً منطقة تقاسم نفوذ بين روسيا القيصرية والإمبراطورية العثمانية. لكن بعد انهيار العثمانيين وصعود الهيمنة الأمريكية، تحولت تركيا إلى عضو في حلف الناتو، مما أفقدها القدرة على مقاسمة روسيا النفوذ بشكل مستقل.

المأزق التركي: تكمن أهمية تركيا في سيطرتها على مضيقي البوسفور والدردنيل، وهما مفتاح العبور من البحر الأسود إلى المتوسط. في عام 2015، حاولت تركيا استغلال إسقاطها للطائرة الروسية لفتح معركة استراتيجية أعمق، ودعت الناتو لمساندتها لمنع السفن الروسية من العبور. لكن الناتو، وعلى رأسه أمريكا وبريطانيا وألمانيا، تهرب من المواجهة المباشرة مع روسيا. هذا التهرب أجبر تركيا على الانكفاء والذهاب إلى مصالحة مع روسيا (اتفاق أستانا)، مؤكدة بذلك بقاء البحر الأسود منطقة نفوذ روسي-أوروبي (عبر أوكرانيا)، وتراجع الدور التركي إلى لاعب من الدرجة الثانية.

البحار الأخرى: قزوين والخليج

تكتمل خريطة حروب البحار الأمريكية بالبحرين المتبقيين:

1.بحر قزوين: يوصف بأنه “بحيرة روسية إيرانية”، حيث تسيطر القوتان الكبيرتان روسيا وإيران على مياهه، ولا يوجد منفذ بحري يسمح للولايات المتحدة بالتواجد فيه بشكل فعال.

2.الخليج الفارسي: رغم التواجد الأمريكي في القواعد البرية، تظل المنازلة هنا مباشرة ومفتوحة مع إيران، مما يجعله منطقة توتر دائم ومواجهة غير محسومة.

خلاصة: استراتيجية البحار في مهب الريح

إن استراتيجية “حروب البحار” الأمريكية، التي كان يُنظر إليها كبديل للحروب البرية الفاشلة، تواجه تحديات وجودية، فبعد أن كانت أمريكا ترتاح إلى انتقالها لهذه الحروب، جاءت حرب غزة وحرب أوكرانيا لتكشف عن نقاط ضعف قاتلة: طرد فعلي من البحر الأحمر، وتأكيد على النفوذ الروسي في البحر الأسود، ومواجهة مستمرة مع إيران في الخليج.

هذه التطورات لا تعيد فقط رسم خريطة النفوذ البحري، بل تضع علامات استفهام كبرى حول قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على هيمنتها على قلب العالم القديم (أوراسيا) عبر هذه العقيدة الجديدة.

نقلاً موقع يمني برس