دول “شرم الشيخ” بين الضرورة والوهم

البيضاء نت | مقالات 

بقلم / عب الحميد الغرباني

 

تواصل أمريكا وربيبتُها (إسرائيل) تقزيمَ وجود المقاومة على أرضها الفلسطينية، وإلى أقصى حَــدٍّ ممكن؛ لإلغاء تأثيرها السياسي والعسكري، عبر أنظمة شرم الشيخ الموافقة على خطة ترمب والمؤيدة لها، كما هو معروفٌ للجميع.

إن تقزيمَ حماس أَو المقاومة ككل في غزة هو -في حقيقته- تخفيفٌ من الثقل العربي والإسلامي في السياسة والدبلوماسية وفي كُـلّ شيء آخر، وهو بهذا المعنى إضافةٌ إلى الثقل الإسرائيلي والرصيد الأمريكي.

وبالتالي، من مصلحة العرب، وَأَيْـضًا المسلمين جميعهم، المطبِّعين وغير المطبِّعين، ألّا يتيحوا مواصلةَ هرولة ترمب المتوالية تحت هذه العناوين المختلفة: “مجلس السلام، قوة الاستقرار، الممثل السامي”.

فوحدَها المقاومةُ ما يزيدُ من رصيد التركي والسعوديّ والمصري والقطري، وغيرهم.. وحدها المقاومة، وحضورها، تُكبِّرُ الجميع في عين العدوّ، وقبلَه في العين الأمريكية نفسِها.

إن التفريط اليوم في المقاومة سيكون باهظَ الكلفة، ولن تدفع فلسطين وحدَها الثمن، بل سيدفعُه الجميع، سواء المحاربين أَو المسالمين؛ لأن ذلك يتصل بطبيعة العدوّ ذاته، وبطبيعة الصراع معه، وهو صراعٌ عَقَدي، وليس بأي حال اختلافًا على مساحةٍ من الأرض بين فلسطينيين و(إسرائيليين).

وخيرٌ للعرب والمسلمين أن يبذلوا الكُلفةَ بشروطهم وإرادتهم، حتى يحقّقوا ما يؤمِّنُهم ويؤمِّنُ الغزيين، من أن يُجبَروا على دفعها مكرَهين؛ فيخسروا وتخسرَ غزةُ والضفة معها، ويخرج الأمريكي، وقبله الإسرائيلي، بأرباح عجزا عن تحقيقها بالإبادة في غزة، وبالعدوان عليها وعلى لبنان واليمن وإيران.

إن أي تقدم يحرزه العدوّ على صعيد تنفيذ خططه المرسومة سلفًا تجاه فلسطين بشكل خاص، والمنطقة بشكل عام، تحت مسمياتها المعلَنة والمعروفة للجميع، لن يكونَ إلا نتيجة لما يمكن وصفُه، في أحسن الأحوال، بسياسة ودبلوماسية الاستلاب العربية الإسلامية، بقيادة تركيا والسعوديّة ومِصر وقطر.

إن هذه الدول المتصدِّرة للمشهد تحت عنوان الوساطة، وغيرها، معنيةٌ بالحد الأدنى من الالتزام الأخلاقي والديني والإنساني تجاه الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة.

وغزة -فيما تطلُبُه من هذه الدول- هو ألّا تكونَ أدَاةَ ضغط – كدولٍ صديقةٍ لأمريكا – على المقاومة، وألّا تواصلَ وساطتَها المطالِبة لحماس بإلغاء ذاتها، وإطلاق الرصاص على نفسها؛ مراعاةً لأي شيء كان قد يأتي من هنا أَو هناك؛ أَو تجنُّبًا لخصومة وعداوة لن تفيدَ سوى العدوّ، ولا طائلَ منها بالنسبة لحركة مقاومة محارَبة ومطارَدة ومحاصَرة في كُـلّ العالم.

وفي كُـلّ ذلك، على الدول التي شهدت ما سُمِّي “قمة شرم الشيخ للسلام” في مصر، في الثالث عشر من أُكتوبر 2025، أن تُفرِّقَ بين الضرورة والوَهْم، وأن تدرك أن لا فائدة تُرتجى من الهرولة إلى الاستسلام هربًا من عبء مواجهة لا مفرَّ منه، وأنها اليوم، بكل ذلك، تُهيِّئُ لهشاشةٍ أكبرَ في بُنيانها ووضعها، قبل موقفها، على مختلف الصعد.