“مارلين”.. رسائل اليمن بزمنها
البيضاء نت | مقالات
بقلم / عبد القوي السباعي
أعاد الإعلام الحربي تسليطَ الضوء على واحدة من أكثر العمليات العسكرية دلالةً وتعقيدًا؛ استهداف السفينة البريطانية “مارلين لواندا”، في مشهدٍ يمثّل قراءةً يمنيةً صارمةً في كتاب التوازنات الدولية، ورسالةً بالنار كُتبت فصولها بين البحر العربي وخليج عدن، في لحظةٍ فارقة من تاريخ المواجهة والصراع المحتدم على ضفاف البحار الإقليمية.
كشف الستار عن تفاصيل الحمولة يضعُنا أمام حقيقة أن السفينة كانت مخزنًا استراتيجيًّا متنقّلًا لوقود الطيران الحربي المتجه لدعم آلة القتل والإبادة الصهيونية، وهنا تتحول العملية من مُجَـرّد استهداف لملاحة العدوّ إلى إعاقة لوجستية مباشرة؛ مما يمنحُ الموقفَ اليمني بُعدًا أخلاقيًّا يتجاوزُ حدودَ الجغرافيا.
تعمد الاستهدافُ في خليج عدن، وليس في البحر الأحمر، كان مناورةً استراتيجيةً ذكية، ورسالةً للأساطيل البريطانية والأمريكية بأن خارطةَ الحظر اليمني ليست ساكنة، وأن الخطوط الحمراء تتسع لتشمل كُـلّ نقطة تصل إليها أعين الراصد اليمني، وهذه الخطوة أسقطت رهانَ العدوّ على إيجاد ممراتٍ بديلة آمنة بعيدًا عن مضيق باب المندب، بالأمس كما سيكون في المستقبل.
الأكثر الإثارة اشتعال السفينة مشتعلةً 19 ساعة متواصلة، وهذا الزمن الطويل، وفشل ثلاث سفن حربية متعددة الجنسيات في إخماد الحريق فورًا، يعكس حجم القوة التدميرية للسلاح المستخدم ودقة الإصابة في قلب السفينة، وإعلانًا صريحًا عن عجز التكنولوجيا الدفاعية الغربية أمام الإرادَة والتقنية اليمنية المتصاعدة.
ولعل بث هذه التفاصيل اليوم جاء بمثابةِ تذكيرٍ خشن لكل القوى المعادية، التي لا تزال تصر على إيجاد موطئ قدم على الجغرافيا العربية، أَو الانخراط في العدوان على اليمن، أَو محاولة عسكرة الداخل عبر أدواتها من العملاء والخونة، والرسالة واضحة؛ فما حدث في يناير 2024م هو نموذج لما يمكن أن يتكرّر، وبصورةٍ أشد، إذَا ما استمر العبث الصهيوني والتهور الأمريكي في المنطقة.
وبقدر ما تُقرأ عملية “مارلين لواندا” بأنها كانت جزءًا من استراتيجية نصرة وإسناد غزة، التي انتهجتها القيادة الثورية السياسية والعسكرية اليمنية، إلا أنها برهان على أن البحر لم يعد ملعبًا مفتوحًا للقوى الاستعمارية، وإنما صار ساحةً تفرضُ فيها اليمن شروطَها، محوِّلةً هياكل الحاملات والبوارج والسفن المعادية إلى دخانٍ أسود وحطامٍ متناثر، يحكي قصة انكسار الغطرسة فوق أمواج البحار وتحتها، وعلى الباغي تدور الدوائر.