بين واقعية الانكسار ووعد الحق

البيضاء نت | مقالات 

بقلم / عادل حويس

 

تغوص الأمة اليوم في لجة مخاض تاريخي عسير تتشابك فيه خيوط السياسة بأبعاد الوجود وتتصادم فيه إرادات الأنظمة مع تطلعات الشعوب في مشهد يختزل صراع الهوية والمصير.
إن ما تشهده الساحة العربية من هرولة نحو “التطبيع” تحت لافتات الواقعية السياسية والضرورات الاقتصادية لا يمكن قراءته بمعزل عن حالة الاستلاب التي تحاول فرض معادلة “القوة فوق الحق” كقدر محتوم وهو مسار يثير انقساما وجدانيا وفكريا عميقا كونه يصطدم بجدار الرفض الشعبي الذي يرى في هذه الخطوات انحيازا لا يعبر عن الضمير الجمعي بل يعمق الفجوة بين الحاكم والمحكوم ويحول شعارات الاستقرار والتنمية إلى مجرد مسكنات تفتقر إلى الكلفة الأخلاقية والسياسية اللازمة لحماية كرامة الإنسان وحقوقه التاريخية.

إن تمكين إسرائيل سياسيا واقتصاديا وأمنيا في ظل استمرار سياسات القهر وغياب أي أفق لتسوية عادلة يمثل مقامرة بمستقبل المنطقة وموازين قواها فكل خطوة انفتاح مجانية تمنح للطرف الأقوى في لحظة اختلال موازين القوى إنما هي ترسيخ لواقع الهيمنة وتأجيل مكلف للحظة التغيير المنشودة فالتاريخ السياسي يخبرنا بوضوح أن الموازين المختلة لا تملك صفة الديمومة لكن تصحيحها يتطلب أثمانا باهظة إذا لم تكن القرارات نابعة من صلب مصالح الأمة وحقوقها الثابتة.
وفي هذا السياق يبرز التناقض الصارخ بين الرواية الرسمية التي تروج لسلام واهم وبين الوقائع على الأرض حيث تواصل إسرائيل تبني عقيدة أمنية توسعية تقوم على التفوق العسكري المطلق والضربات الاستباقية وهو ما تجلى بوضوح في حجم الدمار والانتهاكات الجسيمة التي شهدها قطاع غزة والتي وضعت الضمير العالمي أمام اختبار أخلاقي وقانوني كشف زيف الادعاءات الأمنية في مواجهة مأساة إنسانية غير مسبوقة.

وعلى الجبهة اللبنانية يتكرر المشهد ذاته تحت ذرائع الردع والدفاع حيث تهدف الاستراتيجية الإسرائيلية إلى تجريد العمق العربي من أي أدوات قوة أو ممانعة مما يترك السيادة الوطنية في مهب الريح ويجعل المدنيين وقودا لمواجهات مفتوحة في وقت تبدو فيه عبارات “السلام” مجرد زخرف لغوي يفتقر للعدالة المتبادلة.
كما أن سياسة “بيانات الإدانة” التي تعقب كل انتهاك أو تلويح بضم أراض في الضفة الغربية باتت تثير سخرية الرأي العام وضجره فهي لا تتعدى كونها محاولات لرفع العتب السياسي ما لم تقترن بخطوات ملموسة تراجع مسارات التعاون الخفي والعلني مما يعزز القناعة بأن هناك فرقا شاسعا بين الخطاب المعلن والممارسة التي تجري خلف الأبواب المغلقة.

وفي قلب هذه التحولات يبرز البعد الروحي والفكري كحبل نجاة وبوصلة أخلاقية لقطاعات واسعة من الأمة حيث تتصاعد الدعوات للعودة إلى المرجعية القرآنية وقيمها الأصيلة ليس من باب الانكفاء أو الانتظار السلبي لـ “الوعد الحق” بل بوصفه مشروعا نهضويا يزاوج بين اليقين والعمل وبين الثبات والأخذ بالأسباب العلمية والسياسية والإعلامية.
إن الإيمان بوعد الله في الوجدان الإسلامي هو محرك للإرادة وصمام أمان ضد اليأس الذي يحاول خصوم الأمة زرعه في النفوس لتجميد طاقتها فاستعادة التوازن تبدأ من إصلاح الذات وبناء وعي جمعي يرفض منطق الاستسلام ويسعى لامتلاك أدوات القوة الشاملة.

إن الأمة اليوم تقف أمام مفترق طرق تاريخي فإما القبول بدور المتلقي الهامشي في نظام دولي لا يعترف إلا بالأقوياء وإما استعادة زمام المبادرة وبناء موقف يستند إلى سنن التاريخ وحقائق الإيمان فمسار الأمل سيظل مفتوحا ما دامت الشعوب تنبض بالإرادة وما دام الحق المسلوب ينتظر سواعد لا تؤمن بالانكسار.