على حافة الانفجار الكبير: مواجهةٌ تعيد رسم خرائط النار في المنطقة
البيضاء نت | مقالات
بقلم / هاشم عبدالجليل جحاف
لم يعد التصعيد بين إيران وكَيان الاحتلال، بدعمٍ مباشر من أمريكا، مُجَـرّد فصلٍ جديد من فصول التوتر المزمن، بل تحوّل إلى مشهدٍ كثيف الدلالات، تتقاطع فيه الحسابات العسكرية مع رهانات السياسة، وتتصادم فيه الإرادات على نحوٍ يهدّد بإعادة تشكيل معادلة الردع في المنطقة بأسرها.
منذ الساعات الأولى للتصعيد، بدا واضحًا أن ما يجري يتجاوز حدود الردّ التكتيكي أَو الرسائل المحدودة.
الضرباتُ المتبادلة حملت طابعًا نوعيًّا، سواءٌ في دقة الأهداف أَو في طبيعة المواقع المستهدفة، ما يعكس انتقال المواجهة من هامش الظل إلى دائرة الضوء، ومن الاشتباك غير المباشر إلى تماسٍّ أقرب إلى المواجهة المفتوحة.
ما وراء الدخان.. قراءة في الأهداف
القراءةُ المتأنيةُ لتسلسلِ الأحداث تكشف أن الطرفين تعمّدا ضبطَ إيقاع النار ضمن سقفٍ محسوب، لكن دون التفريط بجرعة الألم الكافية لإثبات الجدية.
فطهران سعَت إلى تأكيد قدرتها على الوصول إلى عمقٍ حساس، وتوجيه ضربة تحملُ رمزيةً استراتيجية، بينما حاولت تل أبيب احتواء الضربة، وتقليص آثارها، وإعادة ترميم صورة الردع التي تقوم عليها عقيدتها الأمنية.
الخسائر.. بين المعلن والمسكوت عنه
المعطيات المتداولة تشير إلى أن كَيان الاحتلال تكبّدت خسائرَ بشرية في صفوف العسكريين، إضافة إلى أضرار في منشآت وُصفت بالحساسة، وتعطّل جزئي في بعض المرافق الحيوية.
كما أُفيد بحالات إغلاق مؤقت لمجالات جوية ورفع حالة التأهب إلى أقصى درجاتها.
لكن في مثل هذه المواجهات، لا تُقاس الخسارة بعدد القتلى والجرحى فقط، بل بمدى اهتزاز الشعور بالأمن، وبقدرة الخصم على اختراق خطوطٍ كان يُظن أنها عصيّة.
فمُجَـرّد وصولِ الضربات إلى أهداف استراتيجية يُعدّ رسالة تتجاوز أثرها المادي إلى بعدٍ نفسي وسياسي عميق.
في المقابل، أعلنت إيران تصدِّيها لهجمات مضادة، مع إقرار بوقوع أضرار محدودة، دون تقديم أرقام تفصيلية.
وهنا أَيْـضًا، يبقى جزءٌ كبير من الصورة رهين التعتيم الإعلامي والحرب النفسية المصاحبة لكل جولة تصعيد.
أمريكا.. بين الالتزام والحذر
الدور الأمريكي بدا حاضرًا بوضوح، سواء عبر التصريحات السياسية الداعمة لكَيان الاحتلال، أَو من خلال التحَرّكات العسكرية في المنطقة.
غير أن أمريكا تسير على خيطٍ رفيع: فهي ملتزمة بأمن حليفها الاستراتيجي، لكنها تدرك في الوقت ذاته أن الانخراط في حرب إقليمية واسعة قد يجرّها إلى مستنقعٍ مكلف سياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا.
لذلك، يمكن قراءة الموقف الأمريكي بوصفه محاولة مزدوجة: ردع إيران من جهة، ومنع الانفلات الكامل للتصعيد من جهة أُخرى.
إنها معادلة صعبة، تتطلب إدارة دقيقة للرسائل والقوة في آنٍ واحد.
اختبار الإرادات.. من يفرض القاعدة الجديدة؟
المواجهة الراهنة ليست صراع صواريخ فحسب، بل اختبار إرادات بامتيَاز.
كُـلّ طرف يسعى إلى تثبيت قاعدة اشتباك جديدة دون أن يتحمل كلفة الانزلاق إلى حرب شاملة.
غير أن المشكلة في مثل هذه اللحظات أن هامش الخطأ يضيق، وأي تقدير خاطئ قد يحوّل الضربة المحدودة إلى شرارة انفجار واسع.
المنطقة اليوم تقف أمام مفترق طرق حقيقي: إما أن تُستوعب الضربة ضمن دورة التصعيد التقليدية، فتعود الأمور إلى حالة توتر مضبوط، أَو أن تتراكم الردود وتتشابك الجبهات، فتدخل المنطقة مرحلة مختلفة عنوانها المواجهة المتعددة المسارات.
ما الذي تغيّر؟
أخطرُ ما في المشهد ليس حجمَ الخسائر المادية، بل تحوّل المواجهة من احتمال نظري إلى واقعٍ ملموس.
لقد أُزيحت بعضُ الخطوط الحمراء، واختُبرت بعض المحرّمات، وأُعيد تعريف حدود الردع بطريقةٍ قد تؤسِّسُ لمرحلةٍ أكثرَ هشاشة.
إن ما جرى اليوم يثبت أن المنطقة ما يزال ساحةً مفتوحة لصراعات الإرادات الكبرى، وأن توازناته قائمة على معادلات دقيقة قابلة للاهتزاز في أية لحظة.
وبين نار القوة وحسابات السياسة، تبقى شعوب المنطقة هي الأكثر عرضة لارتدادات الصراع.
في المحصلة، لسنا أمامَ حدثٍ عابر، بل أمام لحظة كاشفة؛ لحظة تُظهر هشاشة الاستقرار، وتؤكّـد أن السلام في هذه البقعة من العالم ما يزال مشروعًا مؤجلًا، وأن شرارة واحدة إذَا أخطأت الحسابات قد تكفي لإشعال حريقٍ لا يعرف أحد مداه.