يوم القدس.. من صرخة المستضعفين إلى “قوة ردع” تكسر مخالب الهيمنة الأمريكية وتُحاصر أوهام الكيان الصهيوني
البيضاء نت | تقرير
يُمثل يوم القدس العالمي، في جوهره التحليلي، نقطة الانقطاع الكبرى مع مرحلة “الارتهان للمنظومة الدولية” التي حاولت لسنوات طويلة اختزال القضية الفلسطينية في ممرات إنسانية أو تسويات قانونية هشة. إن هذا اليوم لم يكن مجرد استجابة لنداء ديني، بل كان تدشيناً لـ “عقيدة جيوسياسية” جديدة ترى في فلسطين بوصلة لاستقلال السيادة الإقليمية برمتها، وبداية لفك الارتباط مع المركزية الغربية التي حكمت المنطقة لعقود، مما حول القدس من مدينة تحت الاحتلال إلى “مركز ثقل” تدور حوله معادلات القوة والردع في الشرق الأوسط.
وتتجلى الأهمية الاستراتيجية لهذا التمهيد في قدرته على تحويل الفعل الشعبي إلى أداة ضغط سياسي تعطل “مفاعيل الهيمنة” الأمريكية في المنطقة، حيث استطاع يوم القدس بناء “ذاكرة نضالية عابرة للحدود” تتجاوز العوائق الجغرافية والمذهبية. إن هذا التمهيد الاستراتيجي أسس لمرحلة “الوعي المسلح” التي ترفض منطق الهزيمة، واضعاً الكيان الصهيوني أمام حقيقة بنيوية قاسية مفادها أن الاستقرار داخل حدود فلسطين المحتلة مستحيل ما دامت الشعوب تمتلك إرادة المواجهة التي يغذيها هذا اليوم السنوي، مما جعل من القدس قضية حية لا تقبل القسمة أو التنازل.
يوم القدس العالمي.. الجذور والتحولات الاستراتيجية
جاء إعلان الإمام الخميني عام 1979م، عقب انتصار الثورة الإسلامية، بجعل الجمعة الأخيرة من شهر رمضان يوماً عالمياً للقدس، ليكون بمثابة “إعلان استقلال” للقرار السياسي الإسلامي والمقاوم عن التبعية للقطبين الشرقي والغربي آنذاك. إن اختيار هذا التوقيت الرمزي في ذروة الصيام يهدف إلى دمج الروحية الجهادية بالوعي السياسي، وتحويل التضامن مع فلسطين من فعل موسمي عابر إلى التزام عقدي وسياسي ثابت، يهدف إلى استنهاض المستضعفين في الأرض لمواجهة قوى الاستكبار العالمي التي تدعم الوجود الصهيوني.
وتاريخياً، نجح هذا التاريخ في كسر الاحتكار الرسمي للقضية الفلسطينية الذي مارسته الأنظمة العربية التي سقطت في فخ التسويات، حيث نقل يوم القدس “شرعية التحرك” من أيدي الدبلوماسيين إلى قبضة الجماهير. إن التوثيق الزمني للمناسبة يظهر أنها تطورت من مسيرات رمزية إلى “منصة إعلان عن تحولات القوة”، حيث باتت المناسبة فرصة سنوية لاستعراض تنامي قدرات المقاومة، مما جعل من التاريخ (الجمعة الأخيرة) موعداً مرعباً للدوائر الأمنية الصهيونية التي ترصد نبض الشارع الإسلامي وتخشى انفجاره.
وفي العمق التوثيقي، يُعد يوم القدس العالمي أول مشروع توحيدي للأمة في العصر الحديث تجاوز فيه البعد المذهبي لصالح الهدف الوجودي الأسمى، وهو تحرير المقدسات. إن هذا الربط التاريخي بين الثورة في إيران والمركزية في فلسطين خلق “عمقاً استراتيجياً” لم يكن متاحاً من قبل، حيث أصبحت طهران منذ ذلك التاريخ هي الحاضنة الكبرى للمقاومة، مما غير مجرى الصراع وأخرجه من دائرة العجز الإقليمي إلى رحاب الفعل المؤثر الذي يستند إلى رؤية تاريخية ترى في زوال الكيان الصهيوني حتمية لا تقبل الشك.
استعادة البوصلة وتعبئة الشعوب في الصراع الوجودي
أعاد يوم القدس العالمي صياغة مفاهيم الصراع عبر “استعادة البوصلة” نحو العدو الحقيقي للأمة، محطماً بذلك المخططات الأمريكية التي دأبت على صناعة “أعداء وهميين” وجر المنطقة نحو صراعات بينية (عرقية ومذهبية) لاستنزاف طاقاتها. إن التحليل الاستراتيجي يؤكد أن هذه المناسبة تعمل كمصفاة للوعي، حيث تعيد توجيه العداء نحو الكيان الصهيوني باعتباره “الغدة السرطانية” التي تمنع استقرار المنطقة، مما أفشل استراتيجيات “تزييف الوعي” التي صرفت مئات المليارات لتغيير عقيدة العداء لدى الشعوب العربية والإسلامية.
وعلى مستوى “تعبئة الشعوب”، تحول يوم القدس إلى أكبر تظاهرة سياسية عالمية تكسر العزلة التي يحاول الكيان فرضها على الرواية الفلسطينية عبر سيطرته على الآلة الإعلامية الغربية. إن خروج الملايين في مختلف العواصم، من طهران وبيروت إلى لندن وواشنطن، يمثل “استفتاءً دموياً” يرفض شرعية الاحتلال، ويؤكد أن فلسطين ليست وحيدة في الميدان، مما يمنح المقاومة في الداخل زخماً معنوياً وسياسياً يحول دون انفراد الكيان بالشعب الفلسطيني، ويجعل من تكلفة القمع الصهيوني فضيحة عالمية موثقة بصوت الشعوب الغاضبة.
يوم القدس في مواجهة “الفاضح الأخلاقي” للتطبيع
يمثل يوم القدس العالمي “الفاضح الأخلاقي” والسياسي لمسارات التطبيع التي انتهجتها بعض الأنظمة، حيث يكشف الهوة السحيقة بين إرادة الشعوب وقرارات الأنظمة المهرولة نحو “اتفاقيات أبراهام”. إن التحليل الميداني يثبت أن هذه الاتفاقيات بقيت “فوقية” وهشة، تفتقر إلى أي حاضنة شعبية، بفضل التعبئة المستمرة التي يخلقها يوم القدس، والتي تكرس في الوعي الجمعي أن التطبيع ليس سوى خيانة للقدس ودماء الشهداء، مما حول المطبعين إلى جزر معزولة تخشى غضبة شوارعها في كل مرة يُرفع فيها شعار القدس.
إن هذا اليوم يعمل كأداة “تعطيل بنيوي” لمفاعيل التطبيع، فبينما تحاول واشنطن دمج الكيان الصهيوني كجزء طبيعي من نسيج المنطقة، يأتي يوم القدس ليؤكد “غُربة هذا الكيان” وعدم إمكانية قبوله بأي شكل. إن المعطيات تشير إلى أن زخم هذه المناسبة قد أحبط محاولات “أسرلة الوعي”، وأبقى القضية الفلسطينية حية في وجدان الأجيال الشابة التي لم تعاصر النكبة لكنها تعيش تفاصيلها في كل جمعة أخيرة من رمضان، مما يجعل من مشاريع الدمج الصهيونية مجرد أوهام تصطدم بجدار الرفض الشعبي الصلب الذي يرفض مقايضة الحقوق بالوعود الاقتصادية الزائفة.
التصدي لمشاريع “إسرائيل الكبرى” و”الشرق الأوسط الجديد”
أدت الروح القتالية التي يبثها يوم القدس إلى تحطيم حلم “إسرائيل الكبرى” جيوسياسياً، حيث تحول الكيان الصهيوني من “قوة هجومية” تطمح للتمدد من النيل إلى الفرات، إلى “كيان دفاعي” يختبئ خلف الجدران العازلة والمناطق المحصنة. إن هذا الانكماش الاستراتيجي لم يكن وليد الصدفة، بل هو ثمرة “تنامي قدرات المقاومة” التي استمدت مشروعيتها وقوتها من وحدة الساحات التي دعا إليها يوم القدس، مما جعل من فكرة التوسع الصهيوني انتحاراً عسكرياً أمام محور يمتلك صواريخ دقيقة قادرة على ضرب أي نقطة في فلسطين المحتلة.
وفي السياق ذاته، فشل المشروع الأمريكي لـ “الشرق الأوسط الجديد” الذي كان يهدف إلى تقسيم المنطقة إلى دويلات طائفية متناحرة تقودها “إسرائيل” كمركز إقليمي. إن يوم القدس العالمي شكل “النواة الصلبة” لمحور المقاومة الذي خاض حروباً دفاعية وهجومية في سوريا واليمن ولبنان وفلسطين، محبطاً سيناريوهات “الفوضى الخلاقة” التي أرادتها واشنطن. لقد أثبتت الوقائع أن المنطقة التي أرادها الغرب “ساحة مفتوحة” للهيمنة، أصبحت “حائط صد” منيعاً يستمد قوته من التحالف الاستراتيجي بين قوى المقاومة التي ترى في القدس قضيتها المركزية.
إن الربط بين فشل هذه المشاريع وبين يوم القدس يكمن في “تغيير قواعد اللعبة”؛ فالمشروع الصهيوني الذي كان يعيش على “ضعف الآخرين” اصطدم بمحور يبني قوته على “الاكتفاء الذاتي والردع المتبادل”. إن المعطيات الميدانية تؤكد أن الكيان الصهيوني يعيش اليوم أسوأ أزماته الوجودية، حيث تلاشت أحلام الهيمنة الإقليمية أمام تنامي قوة “محور القدس” الذي استطاع فرض “معادلة الوجود”، محولاً التهديد الصهيوني إلى حالة من القلق الدائم الذي يسكن المستوطنين وقادتهم، ومؤكداً أن “الشرق الأوسط الجديد” الحقيقي هو الذي ترسمه سواعد المقاومين لا خرائط وزارة الخارجية الأمريكية.
إيران والردع الاستراتيجي.. الرد القاسي كمعادلة تحرير
لا يمكن فصل يوم القدس عن الدور المحوري للجمهورية الإسلامية في إيران، التي تحملت “ضريبة الدم والسيادة” عبر تعرضها لعدوان صهيوني أمريكي مستمر شمل الحصار الاقتصادي والاغتيالات والعمليات التخريبية. إن الالتزام الإيراني بالقدس تجاوز البعد الخطابي إلى بناء ترسانة ردع عسكرية هي الأقوى في المنطقة، موفرةً بذلك “المظلة الاستراتيجية” التي سمحت لقوى المقاومة في المنطقة بالنمو والتطور، ومثبتةً أن الدعم الإيراني هو الركيزة الأساسية التي حالت دون تصفية القضية الفلسطينية نهائياً.
لقد انتقلت إيران، في ترجمة عملية لروح يوم القدس، من مرحلة “الصبر الاستراتيجي” إلى “الرد المباشر والقوي”، وهو ما تجسد في ضربات قاعدة “عين الأسد” والردود المباشرة الصاعقة على الاعتداءات الصهيونية التي استهدفت سيادتها وقادتها. هذا “الرد القاسي” غير قواعد الاشتباك لصالح فلسطين، حيث لم يعد الكيان الصهيوني قادراً على ضرب العمق المقاوم دون توقع رد مباشر يطال منشآته الحيوية؛ إن هذه القوة الضاربة أثبتت أن القدس تمتلك “عمقاً نووياً وسياسياً وعسكرياً” في طهران، مما يجعل من أي معركة قادمة معركة زوال الكيان، وتكريس حقيقة أن زمن “الضرب والهروب” الأمريكي الصهيوني قد ولى بغير رجعة.