بكاء القواعد

البيضاء نت | مقالات 

بقلم / إبراهيم محمد الهمداني

 

طالما كان البكاء على الأطلال، جزءا من تفاصيل حياة الفقد والغياب والرحيل، وطقسا مشهودا في تذكر الأحبة، ومشاركة المكان وجدانيا مشاعر الفقد، بعد رحيل قاطنيه، لذلك حرص الشاعر العربي على تخليد هذه الطقوس التفجعية،فوقف واستوقف وبكى واستبكى، وناجى المكان وتحدث بلسانه.
لكن المتباكي هذه المرة، كان عربي اللسان عبري الهوى والهوية، ولم يكن المكان المبكى هو منازل الأحبة، وإنما مواضع القواعد العسكرية الأمريكية، التابعة على الأراضي العربية في الخليج، بعد استهدافها من قبل القوات المسلحة الإيرانية، في إطار الرد المشروع، على العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران الإسلامية، الذي أسفر عن مئات الضحايا من الأطفال الأبرياء في مدرسة (ميناب)، وعشرات الشهداء الأبرار، من القادة العسكريين والمدنيين، وفي مقدمتهم سماحة آية الله العظمى، المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، الشهيد السيد علي خامنئي رضوان الله عليه، وعلى جميع الشهداء الكرام، بالإضافة إلى مئات الضحايا من المدنيين الأبرياء، الذين تعمد الإجرام الصهيوأمريكي زيادة أعدادهم، من خلال تعمده استهداف الأعيان المدنية، بمختلف أنواعها، وقد جاء هذا العدوان الغادر، في ضل هدنة معلنة، وأثناء مفاوضات كانت سارية، برعاية عمانية خليجية، انطلق العدوان الأمريكي الإسرائيلي الغادر، على جمهورية إيران الإسلامية من قواعده العسكرية على أرض الخليج، دون أن تحاول الأنظمة الخليجية منعه من إستخدام أراضيها، من القيام بعدوان غادر جبان كهذا، ودون أن تصدر حتى بيان إدانة توضح فيه رفضها بما يقوم به، وتنفي عن نفسها جرم شراكته، لكنها أكتفت بالصمت الذي يعبر عن الرضا، أكثر مما يدل على استلابها، وعدم أمتلاكها شيئا من أمرها.

ورغم تحذيرات الحكومة والجيش الإيراني، والأنظمة الحاكمة في الخليج، من مغبة استخدام أراضيها منطلقاً للعدوان الأمريكي الإسرائيلي على الشعب الإيراني، إلا أن تلك الأنظمة العميلة صمَّت آذانها، ومارست تواطؤها المفضوح، إلى جانب أعداء الأمة الإسلامية من اليهود والنصارى، وحين لجأت إيران الإسلامية، إلى حقها المشروع دينيا وقانونياً، في الرد على مصادر العدوان، باستهداف القواعد العسكرية الأمريكية، حتى رفعت تلك الأنظمة عقيرتها، وفتحت أبواقها الإعلامية على شدقيها، بالإدانة والصراخ والبكاء والعويل المتواصل، معلنة رفضها واستنكارها وإدانتها لإيران، لأنها ضربت القواعد الأمريكية، وانتهكت سيادة أمريكا، وسيادة البلدان المستضعفة لقواعدها، وعلى هذا المنوال تصاعدت وتيرة مواقفها الرسمية، وبذات المنطق العقيم الأعوج، فاضت أبواقها الإعلامية المنتنة، وكأن جمهورية إيران، قد أنتهكت كل المحظورات الدينية والأخلاقية والقيمية، وكأنها ضربت القواعد من النساء، اللائي لا حول لهن ولا قوة، ولم تضرب قواعد عسكرية أمريكية معادية، تنطلق منها عمليات إستهداف وإبادة وتدمير إيران الإسلامية حكومة وشعباً.
مما لا شك فيه أن تلك الدويلات والممالك الخليجية، كانت منذ نشأتها صنيعة بريطانيا الاستعمارية، ولم تخرج أنظمتها الحاكمة، عن شرط الولاء ادللماسونية العالمية، والكيان الإسرائيلي الغاصب المحتل، وما تلك القواعد العسكرية، التي تملأ المنطقة العربية، إلا مصداق ذلك التوجه والمسار الخاطئ، في تولي أعداء الله والدين والوطن، والتماهي مع مشاريعهم المستهدفة للأمة جمعاء، ولم تكن تلك الأنظمة العميلة، صاحبة سيادة أو كرامة أو شرف، في يوم من الأيام، وإنما هي عبارة عن جيوب وظيفية صهيونية الهوى والهوية والانتماء، كل ما يهمها هو خدمة الصهيونية عموما، والكيان الإسرائيلي الغاصب خصوصا، والمضي في ذلك دون تقدير للعواقب، حتى لو كان في ذلك نهايتها وزوالها، والسؤال الذي يطرح نفسه؛ هل تمضي أنظمة الحكم في الخليج، في تورطها حتى النهاية، وهل ينجح نتنياهو وترامب في جرها إلى زوالها؟.