مساء يوم الحادي والأربعون: “مانيفستو” خامنئي يرسم خطوط النصر الإقليمي.. ولبنان يقع في فخ “فك الارتباط” وخديعة الساعات الأخيرة!

التقدير الاستراتيجي والجيوسياسي الشامل (الخميس – 9 نيسان 2026 | مساء أمس الـ 41 للحرب):

البيضاء نت | تقرير طلال نخلة 

في كواليس السياسة، غالباً ما تكون الساعات التي تسبق أو تلي إعلان الهدن هي الأشد فتكاً، وما حدث ليل الأربعاء وصباح الخميس هو “درس قاسي” في فن الخداع الجيوسياسي. بينما كان العالم يحتفل بسلام وهمي، كانت واشنطن وتل أبيب تعيدان هندسة المشهد لاستفراد لبنان، مستغلتين ثغرة قاتلة في الموقف السياسي اللبناني الرسمي.

لكن في المقابل، جاءت رسالة المرشد الأعلى آية الله السيد مجتبى خامنئي لتشكل “الوثيقة التأسيسية” للمحور في مرحلة ما بعد الحرب، واضعةً سقفاً فولاذياً لا يمكن لأي مفاوض في إسلام آباد (أو غيرها) النزول تحته.

سأُعيد بناء هذا المشهد، مُعطياً الثقل لما دار في الغرف المغلقة بشأن الساحة اللبنانية، ومُفككاً الأبعاد الاستراتيجية لرسالة القيادة الإيرانية:

أولاً: “مانيفستو” خامنئي.. دستور “الدفاع المقدس الثالث”

رسالة آية الله السيد مجتبى خامنئي لم تكن مجرد رثاء في أربعينية والده الشهيد، بل كانت “مانيفستو استراتيجي” يرسم ملامح النظام الإقليمي الجديد:
* تثبيت الانتصار وتغيير المعادلات: إعلانه أن الشعب الإيراني هو “المنتصر الحتمي” في “حرب الدفاع المقدس الثالثة”، يقطع الطريق على أي محاولة أمريكية لتصوير الهدنة كمنّة أو تنازل.
* هرمز والتعويضات (خطوط حمراء): الرسالة تضمنت أمرين لا تراجع عنهما: الأول، أن إدخال “إدارة مضيق هرمز إلى مرحلة جديدة” أصبح أمراً واقعاً. والثاني، أن التفاوض ليس مجانياً، بل سيشمل “تعويضات بثمن دماء الشهداء”. هذه لغة قوة تقول لواشنطن: نحن نُملي شروط المنتصر، ولا نبحث عن تسويات شكلية.
* الإنذار للخليج: توجيه حديث مباشر للجيران الجنوبيين بضرورة “الوقوف في الموضع الصحيح” وترك وعود “الشياطين الكاذبة”، هو تأكيد على أن أي تسهيلات مستقبلية لواشنطن ستُقابل بحزم، وأن مرحلة “الاستغلال وتمرير الضربات” قد ولت.

ثانياً: كواليس ليلة الخديعة.. كيف تم “بتر” لبنان من الهدنة؟

لفهم ما يجري في لبنان اليوم، يجب تفكيك وقائع الساعات الحرجة بين ليل الأربعاء وصباح الخميس:
* التطمين الإيراني: تلقى لبنان الرسمي اتصالاً من الجانب الإيراني (بين 11:00 و 11:30 ليلاً) يؤكد أن لبنان مشمول باتفاق وقف إطلاق النار. هذا كان الأساس الذي بُني عليه الموقف الإيراني والباكستاني.
* جائزة الترضية لنتنياهو (صباحاً): في اتصاله الصباحي مع ترامب، أدرك نتنياهو أن الحرب الإقليمية توقفت، فأصر على “تعويض استراتيجي”؛ وهو السماح له باستمرار إبادة لبنان. ترامب وافق، ليضع إيران أمام معضلة: إما فض الهدنة الكبرى من أجل لبنان، أو التخلي عن لبنان والدخول في مفاوضات إسلام آباد.
* الخطيئة السياسية اللبنانية: هنا جاء “الخطأ القاتل” من الدولة اللبنانية الرسمية، التي أعلنت مبكراً أنها “لا تريد أحداً أن يفاوض عنها”، في محاولة لفك ارتباط مسارها عن مسار إيران. هذا الموقف كان بمثابة “الذريعة الذهبية” التي تلقفها الأمريكي واستخدمها للقول: لبنان الرسمي لا يريد أن يكون مشمولاً باتفاقكم، بل يريد تفاوضاً مستقلاً.

ثالثاً: مناورة بري.. وفخ “التفاوض المباشر” ونزع السلاح

أمام هذا الانزلاق الخطير، تحركت الدبلوماسية اللبنانية في حقل ألغام:
* تدارك الرئيس بري: أدرك رئيس مجلس النواب نبيه بري حجم الفخ، فأوعز للحكومة بالاتصال رسمياً بباكستان لطلب الانضمام للاتفاق. الهدف كان سد الذريعة الأمريكية التي تحاول عزل المقاومة.
* الرد الأمريكي-الإسرائيلي الماكر: عندما اكتشفت واشنطن إصرار طهران على شمول لبنان، سارعت لاقتراح “التفاوض المباشر” بين لبنان وإسرائيل (وهو مطلب إسرائيلي قديم رفضه لبنان). نتنياهو اشترط للقبول بذلك أن تتخذ الحكومة اللبنانية “إجراءات جدية لنزع السلاح”.
* ابتلاع الطعم (بيروت منزوعة السلاح): للأسف، ابتلعت الحكومة اللبنانية الطعم، وسارعت للحديث عن “جعل بيروت مدينة منزوعة السلاح” ودعوة الجيش لذلك. هذا الموقف التراجعي دفع إسرائيل للترحيب الفوري بالمفاوضات المباشرة (التي سيقودها السفير لايتر مع الرئيس اللبناني)، ولكن.. تحت النار.
* معضلة الوقف قبل التفاوض: إسرائيل تُريد التفاوض الأسبوع المقبل والمدافع تضرب، بينما يستميت الجانب اللبناني الرسمي للحصول على وقف إطلاق نار أولاً، ليُسوقه كـ “إنجاز سيادي” منفصل عن إيران.

رابعاً: الميدان يرفض الانفصال.. “اقتصاد الأسلحة” مستمر

وسط هذا التخبط السياسي والمطالبات الداخلية اللبنانية برفض “فصل المسارات”، بقيت المقاومة هي الثابت الوحيد:
* الرد الرادع: أثبت حزب الله التزامه بالهدنة بدايةً، لكن مع الخرق الإسرائيلي، انطلقت أسراب المسيرات والصواريخ (البيانات حتى 53) لتدك المطلة، كريات شمونة، والمالكية، بالإضافة لاشتباكات “بنت جبيل” ومارون الراس.
* الحصيلة (179 آلية، و150 ميركافا) تُثبت أن المقاومة لا تفاوض من موقع ضعف، وأن الميدان لن يُسلم لنتنياهو ما عجز عن أخذه بالدبابات، مهما قدمت السلطة السياسية من تنازلات مجانية في بيروت.

الخلاصة للقيادة:

واشنطن وتل أبيب نجحتا مؤقتاً في إحداث شرخ تكتيكي عبر استغلال “السيادية الزائفة” لبعض الأطراف في لبنان، وتحويل مسألة الهدنة إلى أداة لابتزاز المقاومة وتجريدها من سلاحها بالسياسة بعد الفشل العسكري. لكن “مانيفستو” القيادة الإيرانية يؤكد أن المحور لن يقبل بتجزئة النصر.

أمام هذا التناقض الحاد بين صلابة الميدان الذي يراكم تدمير الميركافا، وبين التخبط السياسي الحكومي اللبناني الذي ابتلع فخ “التفاوض المباشر”، كيف سيتمكن حزب الله والمحور من لجم هذه الاندفاعة السياسية اللبنانية الرسمية دون التسبب بانفجار داخلي يُحقق لإسرائيل ما عجزت عنه طائراتها؟