الصرخة.. من صدى الحناجر إلى الصواريخ والمسيّرات

البيضاء نت | مقالات 

بقلم / عبدالمؤمن محمد جحاف

في لحظةٍ تاريخيةٍ كانت الأُمَّــة فيها غارقةً في دوامة الصمت، جاء الصوت مختلفًا.. حادًّا كالسيف، واضحًا كالنور، وصادمًا لكل معادلات الخضوع.. لم يكن مُجَـرّد شعار يُرفع، هو أيضًا إعلان موقف، وتجديدٌ لمعنى قرآني أصيل: البراءة من أعداء الله، كما صدحت به آيات القرآن الكريم:

[بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ] (التوبة:1)

[لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إسرائيل عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ] (المائدة: 78)

نصوصٌ لم تُنزّل لتُتلى فحسب، بل لتترجم واقعًا وموقفًا.

من هنا، وُلدت الصرخة في وجه المستكبرين، على لسان الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي، لا كشعارٍ ظرفي، بل كمشروعٍ يعيد توجيه بوصلة العداء، ويكسر حالة التيه التي عاشتها الأُمَّــة طويلًا.

لم تكن المعركة في جوهرها عسكريةً بحتة، بل هي معركة وعي.

فالصرخة جاءت لتفكّك منظومة التضليل التي روّجت لها أمريكا، كدولةٍ تدّعي حمايةَ الحرية والديمقراطية، بينما تمارس في الواقع أبشع صور الهيمنة والاستكبار.

لقد مثّل الشعار حربًا نفسية مضادة، نقلت المسلم من موقع التأثر بالدعاية إلى موقع المواجهة الواعية.

لم يعد العدوّ غامضًا أَو مموّهًا؛ بل أصبح محدّدا بوضوح: أمريكا، كَيان الاحتلال، ومن يدور في فلكهما من أدوات إقليمية.

أخطر ما أصاب الأُمَّــة لم يكن الهزائم العسكرية، بل حالة السكوت المزمن.

وهنا، جاءت الصرخة كفعلٍ ثوريٍّ يضرب هذا الجدار السميك، لتعيد للإنسان حقه في إعلان موقفه.

لم تعد القضية مُجَـرّد تعاطفٍ صامت، بل تحوّلت إلى اصطفافٍ واضح:

إما مع قضايا الأُمَّــة.. أَو في صف أعدائها.

ولهذا، لم يكن مستغربًا أن يُحارب هذا الشعار منذ لحظاته الأولى، وأن تحاول قوى الهيمنة إسكاته، حتى وصل صداه إلى أروقة مجلس الأمن، في مفارقةٍ تكشف حجم القلق الذي أثاره.

أحد أهم نتائج الصرخة أنها لم تكتفِ بتحديد العدوّ الخارجي، بل كشفت أَيْـضًا الامتدادات الداخلية للمشروع الأمريكي الإسرائيلي.

فالشعار لم يُجامل، ولم يوارب، بل فضح بوضوح الأنظمة التي لعبت دورَ الوكيل، التي هي جزء من منظومة التطبيع والخضوع.

الصرخة لم تكن مُجَـرّد كلمات تُردّد، بل تحوّلت إلى أدَاة تحصين فكري وأخلاقي، تمنع الانزلاق إلى مستنقع العمالة، وتعيد تشكيل الوعي الجمعي للأُمَّـة.

إنها تزرع في الوجدان حالة البراءة المُستمرّة، التي لا تسمح بالتماهي مع مشاريع الهيمنة، ولا بالقبول بالتبعية مهما كانت المغريات.

أهم ما ميّز هذه التجربة أنها لم تبقَ في إطار التنظير.

فالصرخة التي بدأت كصوتٍ في جبال مران، تحوّلت إلى واقعٍ عملي، تجلّى في الموقف اليمني الداعم للقضية الفلسطينية، وَفي نصرة غزة.

وهنا، انتقلت العبارة من: “الموت لأمريكا… الموت لإسرائيل” إلى معادلة ردع حقيقية، تُترجم بالصواريخ والطائرات المسيّرة، في تحولٍ استراتيجي يعكس صدق الموقف.

ضمن هذا المشروع، برزت المقاطعة كخيارٍ عملي، لا كشعارٍ عاطفي.

فهي ليست فقط وسيلة ضغط، بل فرصة لإعادة بناء الاقتصاد المحلي، وتحقيق قدرٍ من الاستقلال عن منظومة الهيمنة الاقتصادية.

إنها معركة موازية، تُستكمل فيها المواجهة على مستوى الاقتصاد والإنتاج، لا فقط في ميادين القتال.

ما يمكن استنتاجه بوضوح أن الصرخة لم تكن حدثًا عابرًا، بل نقطة تحوّل في وعي الأُمَّــة.

لقد أعادت تعريف العلاقة مع العدوّ، وكشفت زيف الشعارات الغربية، وأسقطت أقنعة الحلفاء، وحرّكت الجماهير من حالة السكون إلى الفعل.

إنها، في جوهرها، عودة إلى المعنى القرآني الأصيل:

وبينما كانت تُحارب في بداياتها، أصبحت اليوم صوتًا يتردّد في أفواه الملايين، ودليلًا على أن الأُمَّــة قادرة على استعادة عزتها..

حين تمتلك وضوح الرؤية، وجرأة الموقف.