الحرب الناعمة واقعاً نعيشه كل يوم، ونتجرع سمّه في بيوتنا دون أن نسمع دوي انفجار واحد، إنها المعركة الأشد خطورة لأن العدو فيها لا يلبس زياً عسكرياً، ولا يحمل بندقية، وإنما يأتيك في شكل مسلسل، وأغنية، ولعبة، ومنشور، وابتسامة مذيع؛ سلاحها لا يقتل الجسد، بعد أن تعدى ذلك لينال مما هو أخطر: الهوية، والانتماء، والبوصلة.
الجيوش التقليدية تحتل الأرض، لكن الحرب الناعمة تحتل العقل، والدبابة تدمر بيتاً، أما الشاشة فتدمر جيلاً كاملاً وتجعله يصفق لمن دمره، هذا هو الفارق المرعب: في الحرب الصلبة تعرف عدوك فتقاومه، وفي الحرب الناعمة يصبح عدوك “قدوة”، وتتحول خيانتك إلى “وجهة نظر”، ويُقدم لك الاستسلام على أنه “سلام”.
خطورتها الأولى أنها بلا أعراض، فالمرض الخبيث يقتل بصمت، وكذلك الحرب الناعمة، الأب يرى ابنه ست ساعات يومياً أمام الجوال ويظنه “يتسلى”، ولا يدري أن هناك من يعيد برمجته، يسخر من لحية أبيه، ويحتقر تاريخ أمته، ويعتبر المقاوم “إرهابياً”، والمحتل “شريكاً في التنمية”، نكتشف الكارثة حين يستشهد جارنا في غزة، فيكتب ابننا على حالته: “دعونا من الحروب.. نريد أن نعيش”، هنا تكون الهزيمة قد اكتملت قبل أن تبدأ المعركة.
وخطورتها الثانية أنها تستخدم أدواتك ضدك، تأخذ لغة دينك لتهدم دينك، وتأخذ حبك للحرية لتقنعك بالانحلال، وتأخذ كرهك للظلم لتقنعك بأن مقاومة الظالم “تهور”، مسلسل “مدرسة الروابي” لم يأتِ بدبابة، وإنما بكاميرا، وتيك توك لم يطلق صاروخاً، بل أطلق تحدياً تافهاً، ونتفلكس لم تحتل مدينة، وإنما احتلت الخيال بعد أن صورت الأمريكي منقذاً والعربي إرهابياً، حتى كبرت أجيال تصدق أن خلاصها في يد جلادها.
أما خطورتها الثالثة فهي أنها حرب بلا نهاية، فالحرب العسكرية لها هدنة ولها نهاية، أما الحرب الناعمة فهي 24 ساعة، سبعة أيام في الأسبوع؛ كل إشعار، كل مقطع، كل إعلان، هو رصاصة جديدة في الوعي، والعدو فيها لا يريد أرضك، لأنه اكتشف أن السيطرة على ابنك أرخص وأضمن. لماذا يحتل القدس بجندي يكلفه مليون دولار، وهو يستطيع أن يقنع ابنك عبر شاشة أن “القدس ليست قضيتي”؟
ولهذا فإن مواجهتها هي من أقدس الواجبات اليوم، لا تنتظروا الدولة وحدها تقوم بذلك، فالحرب داخل بيتك الآن؛ السلاح الأول هو الوعي، ويجب أن تفهم أن الشاشة ليست محايدة، وأن الخوارزميات مبرمجة لتغييرك، أما السلاح الثاني فهو البديل؛ فلا تقل لابنك “اترك الجوال” وأنت لا تعطيه مصحفاً يقرأ كتاب الله ولا، كتاباً يفيد أمته، ولا قدوة حسنة يتعلم منها، ولا حكاية من تاريخه، والسلاح الثالث هو الحزم؛ فالتيك توك الذي يدمر الأخلاق، واليوتيوب الذي ينشر الإلحاد، والمنصات التي تبث الإباحية، هذه المنصات منصات احتلال، والتعامل معها بمنطق “الحجب” و”التقييد” يمثل دفاعاً عن الأمن القومي، فالصين حجبتها ولم تمت حضارتها، ونحن أحق بحماية أبنائنا.
قال تعالى:”وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا”، وجهاد هذا العصر أوله جهاد الوعي، فإما أن ننتبه ونقاوم، وإما أن نستيقظ غداً على جيل ممسوخ، لا يعرف ربه، ولا يعرف عدوه، ويقتل أمته وهو يضحك ويظن أنه متحضر.
الحرب الصلبة قد تهدم مدناً، لكن الحرب الناعمة تهدم أمماً؛ والأمم لا تموت بالاحتلال، وإنما تموت حين ينسى أبناؤها لماذا كانوا يقاتلون أصلاً.