حزب الله من صبر استراتيجي إلى فخ استنزاف يُربك الاحتلال

البيضاء نت | مقالات 

بقلم / عبدالحكيم عامر

في ظلّ التصعيد الميداني المتواصل على الجبهة اللبنانية، تتكشّف معطيات جديدة تسهم في إعادة تشكيل ملامح المعادلة الأمنية في المنطقة.

وفي ظل الحرب غير المتكافئة، لا تُقاس القوة بحجم الترسانة أَو التفوق التكنولوجي وحدَه، وإنما بقدرة الطرف الأضعف على إعادة تعريف قواعد الاشتباك.

من هنا يبرز حزب الله كنموذج لافت في توظيف “الصبر الاستراتيجي” كأدَاة لتحويل مسار المواجهة إلى معركة استنزاف طويلة النفس، تُربك حسابات العدوّ الإسرائيلي وتدفعه إلى خيارات معقدة.

إعادة هندسة المعركة نحو فخ الاستنزاف

نجح حزب الله في إعادة هندسة المعركة عبر تحويل “الصبر الاستراتيجي” إلى عملية منهجية لإدارة إنهاك العدوّ مع الوقت، وتوظيف محسوب للقدرات، وانتقاء مدروس لتوقيت الضربات والعمليات القاتلة والمتكرّرة وبالغة التأثير.

تكمن قوة “فخ الاستنزاف” في اعتماده على تراكم الضربات ضد العدوّ؛ عمليات استهداف دقيقة، ضغط دائم على المواقع العسكرية، واستنزاف مُستمرّ للموارد البشرية واللوجستية، كلها عناصر تصنع معركة ممتدة تتجاوز حدود الاشتباك المباشر.

وهنا، لا يكون الهدف السيطرة السريعة على الأرض، بقدر ما هو إنهاك العدوّ نفسيًّا وبشريًّا وماديًّا؛ جنوده تعيش تحت تهديد دائم، وقيادته تتعامل مع ضغط عملياتي متواصل، ومستوطنيه تتعرض لحالة قلق مزمنة، جميعها تتحول إلى أهداف غير مباشرة في معادلة الاستنزاف.

التكنولوجيا كقوة استنزاف مُضاعِف

من أبرز ملامح هذه الاستراتيجية الاستخدام المتزايد للأدوات غير التقليدية، وعلى رأسها الطائرات المسيّرة الانقضاضية، هذه الوسائل منخفضة الكلفة نسبيًّا وعالية الفاعلية، سمحت بتقليص فجوة التفوق التكنولوجي، وفرض نوع من “التناظر التقني” في ساحة المعركة.

وقد انعكس ذلك في تقارير وتصريحات صادرة عن أوساط سياسية وعسكرية داخل كِيان الاحتلال، أشَارَت إلى صعوبة التعامل مع هذا النمط من التهديدات، ووصفت بعض هذه الأدوات بأنها تمثل تحديًا مركبًا للمنظومات الدفاعية، و”كابوسًا عملياتيًّا” في بعض التقديرات.

معضلة كِيان الاحتلال.. بين الانسحاب والاستنزاف

أمام هذه المعادلة، يجد العدوّ الإسرائيلي نفسه أمام خيارَين كلاهما مكلف:

الانسحاب وسيُفسَّر كفشل في تحقيق الأهداف، ويؤثر على صورة الردع، ويطرح العدوّ أمام تساؤلات داخلية وخارجية حول قدرته على فرض معادلاته الأمنية.

الاستمرار في المواجهة، وهو خيارٌ يعني الانخراطَ في حرب استنزاف مفتوحة، تتراكم فيها الخسائر البشرية والاقتصادية، ويتزايد معها الضغط السياسي الداخلي والدولي، ومع مرور الوقت تتحول هذه الكلفة إلى عبء استراتيجي ثقيل يصعب على العدوّ تحمّله.

تآكل النظرية الأمنية الإسرائيلية

حين تصدر عن قادة عسكريين وإعلاميين إسرائيليين إشارات إلى تراجع حرية العمل العملياتي، واهتزاز الجبهة الداخلية، وصعوبة حسم المواجهة، فإن ذلك يعكس أكثرَ من مُجَـرّد إخفاق تكتيكي؛ إنه يشير إلى تصدّع في أسس النظرية الأمنية التي يعمل عليها العدوّ، بتحقيق الردع المطلق والتفوق التقني.

في المقابل، تُظهِرُ هذه التجربة أن المقاومة باتت قادرة على فرض قواعد اشتباك جديدة عبر الابتكار الميداني وإدارة المعركة بمرونة، بما يسهم في تقويض تفوق جيش العدوّ.

وفي الأخير، ما حقّقه حزب الله هو تحويلُ “الصبر الاستراتيجي” إلى أدَاة واجهة هجومية ودفاعية تُرهق العدوّ وتعيد تشكيل قواعد الاشتباك، بإدارة المعركة بأساليبَ جديدة لم تكن للعدو في حسبان، توقعه في فخ الاستنزاف بتوظيف قدرات المقاومة، وانتقاء ضربات دقيقة مع تراكمها تنهك العدوّ وتكسر صموده في الميدان، وفي المقابل تعزز من صمود المقاومة وبيئتها.