إيران – أمريكا.. معيار النصر والهزيمة

البيضاء نت | مقالات 

بقلم / سند الصيادي 

يثار الجدل اليوم – تحت تأثير الإعلام المعادي – حولَ المنتصِر والمهزوم في هذه الحرب.

يكشفُ هذا الجدلُ عن خللٍ جوهري في معايير القراءة والتحليل، فليس من الإنصاف، ولا من الدقة المنهجية، أن تُقاسَ إيران وأمريكا أَو حلفاؤها بالمقاييس ذاتها، ثم تُستخرج الأحكام من مقارنة مُجَـرّدة لحجم القوة أَو الخسائر أَو أدوات النفوذ.

إن من يتعامل مع إيران وأمريكا بحسابات الندية الكاملة في مؤشرات النصر والهزيمة يختلط عليه الأمر في نهاية المطاف، فلا يعود قادرًا على تمييز من انتصر ومن هُزم.

ذلك أن إيران ليست الاتّحاد السوفيتي، ولم تكن يومًا مصنَّفة ضمن القوى العظمى التي تدير النظام الدولي أَو تحتكر القرار العالمي، ولم تُدْخِلْ صراعَها مع الغرب؛ مِن أجلِ انتزاع موقع أمريكا أَو منافستها على قيادة العالم.

لقد كانت، وما تزال، دولة إقليمية خاضعة لعقوبات وحصار وضغوط متواصلة منذ عقود، وجدت نفسها في مواجهة مشروع استهداف شامل استهدف إرادتها السياسية واستقلال قرارها ومكانتها الإقليمية، وتقليص دورها إلى الحد الأدنى، وإخراجها من معادلات التأثير، وتحويلها إلى دولة منقادة لإرادَة الخارج، فاقدة للقدرة على حماية مصالحها أَو الدفاع عن خياراتها.

وعلى أَسَاس هذه الحقائق ينبغي أن تُقرأ نتائج المواجهة.

معيار النصر والهزيمة لا يُختزل في حجم الدمار، ولا في عدد الضربات المتبادلة، ولا في مقدار الخسائر الاقتصادية التي يتحملها كُـلّ طرف.

المعيار الحقيقي هو: هل نجح المعتدي في تحقيق أهدافه الاستراتيجية التي بدأ الحرب أَو التصعيد؛ مِن أجلِها؟

هل نجح في إسقاط النظام الإيراني؟ هل نجح في إنهاء البرنامج النووي الإيراني بصورة نهائية؟ هل نجح في تجريد إيران من قدراتها العسكرية والصاروخية؟

هل نجح في إخراجها من المعادلة الإقليمية وتحويلها إلى دولة هامشية؟ هل نجح في فرض إرادته السياسية عليها وإجبارها على الاستسلام لشروطه؟ الجواب على كُـلّ ما سبق: لا.

النتيجة التي تتكشف يومًا بعد آخر تشير إلى عكس ذلك تمامًا؛ فقد بقيت الدولة قائمةً، وبقي القرار مستقلًا، وبقيت القدرةُ على الرد حاضرة.

وبقيت إيران رقمًا صعبًا في أية معادلة تخص أمن المنطقة ومستقبلها.

كانت أبرز أهداف كيان الاحتلال من اعتدائها على إيران واضحة ومباشرة: إسقاط النظام الإسلامي، وتدمير القدرات الصاروخية والنووية الإيرانية، ومنع طهران من دعم حلفائها في المنطقة.

غير أن النتائج جاءت معاكسة لما خُطِّط له؛ فلم يسقط النظام، ولم تُمحَ القدرات، ولم تنقطع صلات إيران بحلفائها.

فقد خرجت المواجهة لتؤكّـد أن ما أُريد له أن يكون ضربة قاصمة تحوّل إلى دليل جديد على صلابة إيران واتساع هامش تأثيرها.

ومن هنا فإن الحديث عن النصر والهزيمة لا ينبغي أن ينطلقَ من المقارنة بين قدرات غير متكافئة أصلًا، وإنما من مقارنة النتائج بالأهداف المعلَنة.

فإذا كانت الأهدافُ الكُبرى للعدوان لم تتحقّق، فإن ذلك يعني أن إرادَةَ المعتدي قد فشلت، وأن الطرفَ المستهدَف نجح في منع خصمه من فرض ما أراد، وهو في حَــدّ ذاته أحد أهم تعريفات الانتصار في الصراعات الكبرى.

لقد أرادوا شرقًا أوسطَ تُدار شؤونُه من كيان الاحتلال وواشنطن، فإذا بهم يواجهون شرقًا أوسطَ جديدًا تتشكّل ملامحُه خارج إرادتهم، وتُكتب معادلاته بيد شعوبه وقواه الحية.

وفي هذا التحول تكمُنُ الحقيقةُ التي يحاولُ كثيرون تجاهلها: أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة،

وأن ما كان ممكنًا بالأمس لم يعد ممكنًا اليوم، وأن وجهَ الشرق الأوسط يتغيّر فعلًا، ولكن ليس كما أراده نتنياهو.

النصرُ الحقيقي ليس بعدد القتلى ولا بحجم الركام، إنما يُقاس ببقاء المشروع وازدهار الفكرة.

فمن كان يُراد له أن يكونَ ذيلًا تابعًا، أصبح رأسًا فاعلًا في معادلات الشرق الأوسط، وهذه هي الدلالاتُ الكبرى لمن أراد أن يقرأ التاريخَ بمعايير الحق، لا بمعايير القوة العمياء.