هرمز تحت سيادة النار والحديد.. و”اتفاق واشنطن” يتساقط أمام صمود الميدان
الاثنين 29 حزيران 2026 – اليوم الثالث عشر بعد المئة للحرب – اليوم الثاني عشر لمذكرة التفاهم.
البيضاء نت | تقرير طلال نخلة
المشهد الاستراتيجي العام: الردع الإيراني يفرض شروطه وتصدع جبهة الاحتلال، في اليوم الثاني عشر لتوقيع مذكرة التفاهم، يبدو أن قواعد الاشتباك التي حاولت الإدارة الأمريكية فرضها قد تحطمت على صخرة الردع الإيراني المباشر. فبينما تتخبط واشنطن وتل أبيب في محاولة إنقاذ ما تبقى من ماء الوجه، فرضت طهران سيطرتها العملية على مضيق هرمز، محولةً إياه إلى ممر إيراني بامتياز. وفي لبنان، يتساقط “اتفاق واشنطن” أو ما يُعرف بـ “إعلان النوايا” الإطاري تحت وطأة الرفض الوطني الجامع والمقاومة الميدانية المستمرة، لتكشف الأيام القليلة الماضية أن كل اتفاق لا يُبنى على انسحاب كامل هو مجرد سراب سياسي لا قيمة له على الأرض.
أولاً: جبهة مضيق هرمز.. الهدنة الهشة ومفاوضات الدوحة
بعد ساعات من التصعيد العسكري الخطير وضرب القواعد الأمريكية في الخليج، يبدو أن الإدارة الأمريكية أدركت خطورة الانزلاق نحو حرب شاملة، مما دفعها للبحث عن مخارج دبلوماسية عاجلة.
* وقف الأنشطة القتالية وموعد الدوحة: كشف موقع “أكسيوس” الأمريكي عن اتفاق لوقف جميع الأنشطة القتالية بين واشنطن وطهران، معلناً عن لقاء مرتقب بين الطرفين يوم غدٍ الثلاثاء في الدوحة لتسوية الخلافات العميقة بشأن الملاحة في هرمز.
* الموقف الإيراني المبدئي: من جانبه، أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن بلاده تسعى لتنفيذ المذكرة بحسن نية ولكن وفق مبدأ “الالتزام مقابل الالتزام”، محذراً من أن الانتهاكات الأمريكية والإسرائيلية، خصوصاً البند الأول، تعيق استعادة الأمن. وشدد على أن إيران سنتخذ إجراءات حاسمة ضد أي خرق. وفي سياق متصل، أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن “أميركا والكيان الصهيوني تصورا أن إيران ستنهار نتيجة الضغوط.. إلا أن الشعب أحبط هذه الحسابات”، مشيراً إلى أن نشاط طهران النووي سيبقى متناسباً مع احتياجاتها السلمية.
* تراجع الملاحة وهيمنة “الممر الإيراني”: أكدت وكالة “فارس” الإيرانية تراجعاً ملحوظاً في حركة الملاحة عبر هرمز جراء “الإجراءات العدوانية الأمريكية” واستهداف ناقلتين، كاشفةً أن التجارة مستمرة لكن بشكل محدود وأن معظم عمليات العبور تتم حصراً من خلال “الممر الذي حددته إيران”. وفي ترجمة للسيادة الإقليمية، انعقد في مسقط الاجتماع الأول لـ “لجنة هرمز” العمانية الإيرانية.
ثانياً: لبنان.. انهيار اتفاق العار والمواجهة الشاملة
على الساحة اللبنانية، دخل “اتفاق واشنطن” مرحلة الموت السريري قبل أن يجف حبره. المعارضة الوطنية الشاملة والتناقضات الإسرائيلية المفضوحة أثبتت أن السلطة اللبنانية ذهبت منفردة لتوقيع اتفاق يشرعن الاحتلال ويهدد السلم الأهلي.
* خديعة المناطق التجريبية وكذبة الانسحاب: أعلن نتنياهو وكاتس تدمير بنى تحتية لحزب الله في مجدل زون، زاعمين بدء انسحابات من “مناطق تجريبية”. إلا أن صحيفة “هآرتس” نقلت عن مصادر عسكرية إسرائيلية نفياً قاطعاً لتلقي الجيش أي أمر بالانسحاب، موضحة أن القرى الثلاث المحددة للانسحاب (زوطر الغربية وفرون وغندورية) لا تخضع أصلاً لسيطرة دائمة للاحتلال، بل يتموضع فيها مؤقتاً. هذا ما أكده رئيس بلدية فرون، حسن بزي، معتبراً إثارة ضم بلدته لهذه المناطق “لزوم ما لا يلزم” لأن البلدة غير محتلة وأهلها عادوا إليها.
* المقاومة ترصد الخروقات: واصلت المقاومة الإسلامية رصد لخروقات الاحتلال المستمرة، والتي شملت غارات حربية على النبطية وميفدون وفرون، وتفجير منازل في الطيبة وحداثا ومجدل زون. وأكدت المقاومة أن هذه الأفعال تشكل انتهاكاً فاضحاً لوقف إطلاق النار، وأنها تحتفظ بحقها الكامل في الدفاع عن الوطن.
* بري يقود المواجهة السياسية وجنبلاط يذكر بالهدنة: وجه رئيس مجلس النواب نبيه بري أقسى العبارات واصفاً اتفاق واشنطن بـ “الإملاءات” وأنه “أسوأ بعشر مرات من اتفاق 17 أيار”، مؤكداً بشكل قاطع: “هذا الاتفاق لن يمشي ولن يُنفَّذ”. وكشفت “المدن” عن توجه بري لإسقاط الاتفاق داخل مجلس النواب من خلال معركة دستورية تجنب البلاد فتنة الشارع التي تسعى إسرائيل لإشعالها. كما انتقد وليد جنبلاط الاتفاق، مستغرباً التغييب الكامل لـ “اتفاقية الهدنة” التي اعتبرها أساساً للعلاقات وجزءاً من اتفاق الطائف.
* النوايا الخبيثة لحكومة سلام: في ظل هذا الغليان، تتوارد معلومات عن تحضير حكومة نواف سلام لاتخاذ قرارات استفزازية خطيرة، منها طلب سحب ترخيص “الجماعة الإسلامية” بطلب سعودي، تمهيداً لاستهداف مؤسسات أخرى تابعة للمقاومة كـ “قرض الحسن”.
ثالثاً: الجبهة الإسرائيلية المأزومة وتصاعد حرب السايبر
يعيش الكيان الصهيوني حالة من التخبط غير المسبوق، عسكرياً واقتصادياً، وسط تزايد ملحوظ في الهجمات السيبرانية الإيرانية الدقيقة.
* حرب الميزانيات وإلغاء اجتماعات نتنياهو: أُلغي اجتماع أمني لدى نتنياهو للمرة الثانية بسبب خلاف حاد بين وزارتي المالية والحرب حول زيادة في ميزانية الدفاع تُقدر بـ 40 مليار شيكل، مما اضطر الجيش لتجميد تعاقدات هامة، في وقت تتهم فيه المالية وزارة الحرب بعرض نفقات قديمة على أنها مرتبطة بالحرب الحالية.
* السايبر الإيراني يخترق البنية التحتية: كشف يوسي كارادي، مدير الهيئة الوطنية للأمن السيبراني، عن قفزة هائلة في الهجمات الإلكترونية الإيرانية على الكيان؛ حيث ارتفعت من 1600 حادثة في حزيران 2025 إلى 4800 حادثة في الشهر الحالي. واستهدفت هذه الهجمات الدقيقة البنية التحتية الحيوية، والشركات، ومكاتب المحاماة، مؤكداً أنه “لا توجد هدنة في الفضاء السيبراني”.
الخلاصة والتحليل الاستراتيجي: بين الدوحة وساحات القتال
المنطقة اليوم تقف على مفترق طرق حاسم. الإدارة الأمريكية تجد نفسها محاصرة بين نارين: فشل “اتفاق واشنطن” اللبناني في تحقيق أهدافه وعجزه عن شرعنة الاحتلال الإسرائيلي، والنجاح الإيراني المبهر في فرض سيطرة سيادية عملية على مضيق هرمز وتهديد خطوط التجارة العالمية.
لقاء الدوحة المرتقب ليس إلا محاولة أمريكية يائسة لشراء الوقت ولجم التدهور المتسارع. طهران، التي تتفاوض من موقع قوة وتستند إلى إجماع داخلي (رسالة مجلس الخبراء)، لن تقبل بأي تسوية لا تلبي مطالبها الاستراتيجية، وأهمها الانسحاب الإسرائيلي الشامل من لبنان.
في لبنان، يتضح يوماً بعد يوم أن السلطة التي وقعت اتفاق الإطار قد أحلت دماء شعبها وعزلت نفسها وطنياً. الخيار بات محسوماً: معركة سياسية ودستورية شرسة في الداخل (بقيادة بري) لإسقاط الاتفاق، ومعركة ميدانية مفتوحة (بقيادة المقاومة) لجعل بقاء الاحتلال في أي “شريط أمني” مكلفاً ودامياً. الأيام القليلة القادمة ستحسم وجهة المنطقة: إما رضوض أمريكي إسرائيلي لشروط طهران، أو انزلاق شامل نحو حافة الهاوية.