بين هاجس “الاستنزاف” وهشاشة “الردع”: قراءة معمقة في مقاربة الاحتلال لعمليات المقاومة

البيضاء نت | تقرير خاص 

“أمننة” المجتمع ومأزق التوقعات، لم تعد عمليات المقاومة في المنظور الإسرائيلي مجرد أحداث أمنية عابرة، بل تحولت إلى “متغير بنيوي” يعيد صياغة العقد الاجتماعي بين الدولة ومواطنيها. في عقيدة الاحتلال، يعتمد “مشروع الدولة” بشكل أساسي على توفير بيئة أمنية مستقرة؛ لذا فإن أي عملية للمقاومة لا تُقرأ كحدث ميداني فحسب، بل تُعامل كـ “اختراق للسيادة الأمنية“.

تستخدم المؤسسة الإسرائيلية مصطلح الشعور الشخصي بالأمن” (Personal sense of security) كمعيار لقياس نجاحها. عندما تتكرر العمليات، لا يقتصر الأثر على الخسائر المادية، بل يمتد إلى تصدع هذا الشعور، مما يضع المستويين السياسي والعسكري في حالة من الاستنفار الدائم، ويجعل من المجتمع الإسرائيلي مجتمعاً “مؤمناً” (أي خاضعاً بالكامل لضرورات الأمن)، حيث تتراجع الحريات العامة لصالح التضييق الأمني الشامل.

 

التغطية الإعلامية: حرب الرواية وصناعة القلق

 تؤدي وسائل الإعلام الإسرائيلية دوراً مزدوجاً؛ فهي من جهة أداة لتوجيه الرأي العام، ومن جهة أخرى ضاغط على الحكومة.

  • عسكرة الخطاب: يتم استضافة “الخبراء الأمنيين” (غالباً جنرالات متقاعدون) فور وقوع أي عملية، لتقديم قراءات قائمة على “التحليل الاستراتيجي”، وهو ما يهدف إلى تحويل الغضب الشعبي إلى مطالب عسكرية محددة.

  • شيطنة المنفذ: يتم التركيز بشكل “فوتوغرافي” على تاريخ المنفذ، محاولين ربطه بشبكات خارجية أو إيديولوجيا معينة، لتبرير القمع المسبق أو العمليات العسكرية الاستباقية تحت مسمى “الحرب على الإرهاب“.

  • إدارة الصدمة: يعتمد الإعلام أسلوب “التدرج في المعلومات”؛ يبدأ بنشر أخبار مقتضبة، ثم الانتقال إلى “قصص الضحايا” لاستدرار العطف الدولي والمحلي، وصولاً إلى عرض “الفشل الاستخباري” كذريعة لطلب المزيد من الصلاحيات للمؤسسة الأمنية.

 

المؤسسة الأمنية: صراع “الخوارزميات” ضد “الإرادة

 في أروقة “الكرياه” (مقر وزارة الحرب)، ينظرون إلى المقاومة من خلال عدسة تقنية ومعقدة:

  • فجوة التكنولوجيا: تعتمد إسرائيل على التكنولوجيا المتقدمة (الذكاء الاصطناعي، طائرات الدرون، الكاميرات الذكية). عندما تنجح عملية ما، يظهر “الخجل التقني” في التقارير؛ حيث تعترف المؤسسة بأن “الإنسان” (المقاوم) استطاع التغلب على “الخوارزمية” (منظومات الرصد).

  • استراتيجية “الجز العشب“: يتبنى الاحتلال عقيدة “جز العشب” (Mowing the grass)، أي القيام بعمليات عسكرية متكررة لإضعاف البنية التحتية للمقاومة قبل أن تتضخم، وهي استراتيجية تهدف إلى منع تراكم القوة، لكنها تعترف ضمنياً بأنها لا تستطيع “اقتلاع” المقاومة، بل فقط “إدارتها“.

  • الخوف من “العدوى“: أكثر ما يقلق القادة هو انتقال روح المبادرة من بقعة جغرافية إلى أخرى. لذلك، نرى في تقاريرهم العسكرية تحليلات مستفيضة حول “التأثير الاجتماعي” لكل عملية، وكيف يمكن أن تتحول إلى “نموذج يحتذى به” للشباب.

 

 التبعات السياسية: العمليات كمحرك للسياسات

تعمل عمليات المقاومة كـ “محفز” (Catalyst) للتحولات السياسية داخل إسرائيل:

  • استغلال العمليات: غالباً ما تستخدم الأحزاب اليمينية العمليات لتمرير قوانين كانت مجمدة، مثل تشديد العقوبات على عائلات المنفذين، أو تسريع وتيرة الاستيطان كـ “رد انتقامي” يرضي قاعدتها الانتخابية.

  • تآكل الثقة: تؤدي العمليات المتكررة إلى تآكل الثقة في “الجيش الذي لا يقهر”، مما يدفع المؤسسة السياسية للبحث عن “انتصارات صورية” أو القيام بعمليات عسكرية استعراضية لاستعادة هيبتها المفقودة أمام جمهورها.

 

 التحول في النظرة: من “تهديد تكتيكي” إلى “تحدٍ وجودي

باتت الأوساط البحثية الإسرائيلية مؤخراً تشير إلى أن عمليات المقاومة في الضفة الغربية، على سبيل المثال، قد تطورت من مجرد “أعمال شغب” إلى نمط كفاحي متطور“. هذا الاعتراف الضمني بأن المقاومة تمتلك استراتيجية طويلة الأمد (حتى وإن كانت بسيطة في أدواتها) يجعل الاحتلال يعيد تقييم “جدوى البقاء” في المناطق التي تعاني من حالة غليان مستمر.

 

خلاصة: العجز عن “تطبيع” الاحتلال

يخلص مراقبون في مراكز الأبحاث الإسرائيلية أحياناً (خلف الأبواب المغلقة) إلى أن المشكلة ليست في “المنفذ الفردي” فقط، بل في حالة الرفض الجماعي للوجود الاحتلالي. هذا الرفض هو الذي يجعل من كل إجراءات الاحتلال -مهما بلغت قسوتها وتطورها التكنولوجي- تدابير مؤقتة لا تستطيع أن تنتج “استقراراً حقيقياً” أو “تطبيعاً” للواقع القائم.

إن الاحتلال يرى في المقاومة “صوتاً مزعجاً” يذكره دائماً بأنه لا يزال في حالة “حرب وجودية”، وهذا الشعور هو ما يدفعه لإنفاق مليارات الدولارات على منظومات أمنية، تظل في نظر الواقع الميداني “هشة” أمام فعل مقاوم واحد.

هل ترغب في أن نسلط الضوء على كيف تتعامل مراكز الأبحاث الإسرائيلية (Think Tanks) تحديداً مع استراتيجيات مواجهة هذه العمليات؟