توقيت صنعاء يربك حسابات العدو السعودي قبل بدء المعركة

البيضاء نت | مقالات 

بقلم / أحمد الضبيبي

في معادلات الصراع الكبرى، لا تُقاس قوة القرار بحجم الضجيج الذي يرافقه، وإنما بدقة اختيار اللحظة المناسبة، والميدان الأنسب، والظرف الأكثر تأثيراً في موازين القوى، ومن هذه الزاوية، تبدو صنعاء قد أحسنت قراءة المشهد، حين اختارت توقيتاً ترى أنه يخدم أهدافها ويضع العدو السعودي أمام اختبار بالغ التعقيد.

فالتوقيت في الحسابات الاستراتيجية، قد يتحول إلى قوة قائمة بذاتها، فالقرار الصائب حين يُتخذ في اللحظة المناسبة يستطيع إرباك حسابات العدو، ومضاعفة كلفة خياراته، وفرض التعامل مع واقع لم تكتمل أدواته بعد.

وبالنظر إلى المشهد الراهن، فإن التوقيت الذي اختارته القوات المسلحة اليمنية لا يبدو مريحاً للعدو السعودي ومرتزقته؛ فالإعدادات التي يُفترض أن تسبق أي مواجهة واسعة لم تستوفِ كامل عناصرها، فيما لا يزال مستوى التنسيق بين مختلف أدوات الخيانة والارتزاق التابعة للعدو السعودي دون المستوى الذي يمنحها قدرة عالية على التحرك المنسق والمتزامن.

ويزداد المشهد تعقيداً في ظل التداعيات التي خلفتها المواجهات الأخيرة بين أدوات الخيانة والارتزاق في الجنوب، وما أفرزته من توترات سياسية وأمنية كشفت هشاشة التماسك الداخلي، وأعادت ترتيب الأوراق على نحو لم تستقر ملامحه بصورة نهائية.

لم تكن الرياض، وهي تمضي في سياسة الحصار والضغط الاقتصادي على اليمن، تتوقع أن تنقلب أدوات الاستنزاف على صانعها، وأن يتحول الحصار من سلاح يُراد به إنهاك الخصم إلى معادلة ردع مضادة تُضيّق الخناق على مراكز القوة ومصادر الإسناد، غير أن تطورات الميدان أظهرت أن الحروب لا تُدار دائماً وفق خرائط الرغبات، وأن من يظن أنه يمسك بخيوط اللعبة قد يجد نفسه أسيراً لتداعياتها.

وعندما بدأت معادلة «الحصار بالحصار» تتحول من شعار سياسي إلى ضغط استراتيجي ذي كلفة متصاعدة، اتجهت الرياض، وفق هذا التصور، إلى إعادة ترتيب أوراقها الميدانية عبر حشد آلاف المقاتلين من تشكيلات وفصائل متعددة، وإغراقها بالأسلحة والمعدات، وتوزيعها على محاور متفرقة، في محاولة لفتح جبهات متزامنة تُربك حسابات القوات المسلحة اليمنية، وتستنزف قدراتها، وتدفعها إلى توزيع جهدها بين ساحات متعددة.

كان الرهان واضحاً، تشتيت القوة قبل مواجهتها، وإغراق الميدان بالجبهات قبل أن يكتمل الرد، ولهذا جرى التحشيد بعيداً عن الأضواء، في مناطق متباعدة، بعضها عند تخوم خطوط التماس، وبعضها الآخر في العمق، خلف حجب من السرية والتكتم، وبموازاة حملة إعلامية تسعى إلى حجب الصورة الحقيقية للمشهد وإرباك قراءة الاتجاهات العسكرية والسياسية.

لكن ما أُريد له أن يكون مشروع مفاجأة تحوّل إلى مكشوف استخباراتي، وكانت حركة الأفراد والآليات والإمدادات تخضع للرصد والمتابعة، وصولاً إلى تحديد مواقع التحشيد، ومراكز القيادة، ومستودعات الأسلحة، ومفاصل الإسناد اللوجستي.

وهنا تكمن إحدى أكثر قواعد الحرب قسوة، حين تنكشف البنية العدو قبل أن تكتمل، يصبح عنصر المفاجأة عبئاً عليه، وتتحول كثافة الحشود إلى هدف مغرٍ لا إلى قوة رادعة.

وعندما اقتربت الاستعدادات من عتبة التنفيذ، جاءت الضربات في توقيت بالغ الحساسية، مستهدفة مراكز تجمع وتحشيد وإسناد عسكري في عدد من المحاور، في محاولة ناجحة اجهاضت القوة وهي لا تزال في طور التشكّل، قبل أن تنتقل من مرحلة التحضير إلى مرحلة المبادرة الهجومية.

فالمعادلة الجديدة التي تحركت وفقها القوات المسلحة اليمنية لا تقوم على انتظار الخصم حتى يرفع راية الهجوم، وإنما على محاولة قراءة الهجوم في رحم التحضير، وملاحقة مؤشراته في مسارات الإمداد والحشد والتموضع، ثم توجيه الضربة إلى بنيته قبل أن تكتمل.

ومن هذه الزاوية، تكتسب العمليات الاستباقية أهميتها، لأنها لا تستهدف المقاتلين وحدهم، وإنما تستهدف منظومة إنتاج القوة، مراكز القيادة، وخطوط الإمداد، ومستودعات الذخائر، ونقاط التجمع، والعقد اللوجستية التي تمنح الحشود القدرة على التحول من كتلة بشرية إلى قوة قتالية منظمة.

فالجيوش لا تُهزم دائماً في لحظة الاشتباك المباشر؛ أحياناً تبدأ هزيمتها عندما تتهاوى قدرتها على الحركة، ويتقطع إسنادها، وتنحسر خياراتها، وتصبح مواقعها معروفة للخصم قبل أن تعرف هي موقعه. وحين تفقد الحشود عنصر التخفي يصبح حجمها نقطة ضعف، وحين تنكشف مخازنها تتحول وفرة السلاح إلى عبء، وحين تُعرف مراكز قيادتها تصبح غرفة العمليات نفسها جزءاً من معادلة الاستهداف.

وهكذا تنقلب القاعدة التي أرادها العدو السعودي رأساً على عقب، فبدلاً من أن يكون التحشيد مقدمة للهجوم على صنعاء، يصبح التحشيد نفسه مقدمة للاستهداف.

ومن هنا، فإن الرهان على صناعة جيش من أدوات الخيانة والارتزاق المتعددة عبر التمويل والتسليح قد يصطدم بحقيقة أكثر صلابة، القوة المستأجرة قد تكون كثيرة العدد، لكنها ليست بالضرورة عصية على الانكشاف، وقد تكون وفيرة السلاح، لكنها لا تصبح بالضرورة قادرة على فرض إيقاع المعركة.

لقد أثبتت تجارب الصراعات الممتدة أن الحروب لا تحسمها كثرة البنادق وحدها، ولا وفرة الآليات، ولا ازدحام المعسكرات، وإنما يحسمها في كثير من الأحيان الطرف الذي يمتلك زمام المبادرة، وعمق الرصد، ووضوح الهدف، ودقة التوقيت، والقدرة على تحويل المعلومة إلى فعل.

ومن هذه الزاوية، فإن العدو السعودي وادواته قد خسروا جزءاً مهماً من المعركة قبل بدايتها، لا بمعنى الحسم الميداني المسبق، وإنما بمعنى اختلال الحسابات، وتشتت الأولويات، وعدم اكتمال الاستعداد، والدخول في مواجهة في توقيت قد لا يكون هو التوقيت الذي اختاروه لأنفسهم.

وهنا تحديداً تتجلى قيمة التوقيت، فقد يملك العدو السعودي القوة، لكنه يخسر اللحظة، وقد يملك الأدوات لكنه يفتقد المبادرة، وقد يستعد للمعركة، لكنه يكتشف أن خصمه قد اختار ساعة المواجهة قبل أن يكتمل استعداده لها.

إن المعركة، في نهاية المطاف، لا تبدأ دائماً عند أول طلقة، فقد تبدأ قبل ذلك بكثير، عند اللحظة التي ينجح فيها طرف في قراءة نيات خصمه، وإفساد حساباته، وإجباره على خوض المواجهة وفق إيقاع لم يختره، ومن هنا يصبح التوقيت أكثر من مجرد عامل عسكري، إنه أداة لإعادة تشكيل موازين المبادرة، وتحويل لحظة الانتظار إلى لحظة ضغط، والاستعداد إلى عبء، والحشد إلى مكمن ضعف.