من برنامج رجال الله.. ملزمة معرفة الله نعم الله الدرس الرابع (اليوم الرابع)

البيضاء نت | من هدى القرآن الكريم 

 

ويقول سبحانه وتعالى وهو يعدد نعمه: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} وهو يأمر عباده ويرشد عباده إلى تذكر نعمه عليهم {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} (المائدة:7).

ويقول سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ}(المائدة: من الآية11) أليس هذا تدخلاً إلهياً؟ {إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ}فيضربونكم {فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ} فهذه نعمة، نعمة أنتم ربما لا تشعرون بها, قد تعتبرون القضية أنه فقط مجرد قرار آخر، كانوا قرروا أن يعملوا بنا كذا لكن ترجح لهم أن يتخذوا قراراً آخر، أو ظهر لهم أن القضية لا تستلزم أن يتخذوا منا ذلك القرار السابق فغيروا رأيهم، يأتي تدخلات إلهية، فهنا يذكر عباده {اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} تلك النعمة التي هي أنه {إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}(المائدة: من الآية11) هذا مجال جديد من مجالات النعم أليس كذلك؟ مجال الدفع عن المؤمنين، وكف أيدي أعدائهم عنهم، أليست هذه نعمة غير النعم الأخرى النعم المادية هذه التي نراها؟

ويقول أيضاً: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً} (الأحزاب:9) أليست هذه نعمة أيضاً من هذا القبيل، نعمة الدفع عن المؤمنين؟.

ماذا يراد من خلال هذه؟. أن تعرف أنك متى ما توليته توليت من هو على كل شيء قدير، توليت من لا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يغفل عنك، توليت من سيرعاك ويدفع عنك {إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ} وهذا كان يوم الأحزاب عندما تجمع المشركون فبلغ عددهم ما يقارب عشرة آلاف شخص فحاصروا المدينة وحصل ما حصل من الرعب في نفوسهم الذي حكاه الله في كتابه الكريم: {وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً} (الأحزاب:11).

في ذلك اليوم الذي برز فيه عمرو بن عبد ود، وتحدى المسلمين وهم نحو ثلاثة آلاف، وبينهم وبين المشركين الخندق الذي كان قد عمله النبي (صلوات الله عليه وعلى آله) مع المسلمين فبقي في داخل الخندق هو ونحو ثلاث آلاف من المسلمين وهم في حالة من الرعب شديدة، برز عمرو وهو يتحدى، فبرز له الإمام علي (عليه السلام)، وهو ما يزال شاباً، قد لا يتجاوز عمره الخامسة والعشرين سنة فبرز إليه وقتله، فهناك تحطمت معنويات الكافرين.

وظلوا على حصارهم للمدينة، فأرسل الله عليهم فيما بعد الريح وكما قال هنا في هذه الآية: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا} كانت تأتي الريح فتطفئ النار، وأدوات الطبخ لا تستقر تنكفئ الأواني بما فيها إلى الأرض، في الأخير قرروا العودة عندما رأوا هذه الوضعية المزعجة {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا}.

ويذكر الله في كتابه الكريم أنه هكذا مع كل الأمم، يأمرهم بأن يتذكروا النعم التي أنعم بها عليهم، فيقول في القرآن الكريم الذي هو أنزل إلى هذه الأمة يحكي أنه كان يخاطب بني إسرائيل في الماضي وخاطبهم أيضاً في هذا القرآن، خاطب من يسمع منهم في أيام النبي (صلوات الله عليه وعلى آله) وفيما بعد: {يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} (البقرة:40) {يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} (البقرة:47)

لاحظوا.. لما لم يتذكر بنو إسرائيل النعمة التي أنعم الله بها عليهم، هكـذا بلغ بهم الحال إلى أن يستبدل الله بهم غيرهم، وإلى أن يلعن الكثـير منهم، وإلى أن يصبح أكثرهم فاسقين وهكذا أيضاً أنبياؤه يذكرون أممهم أن يذكروا نعمة الله عليهم فيقول عن نبيه موسى وهو يتحدث مع قومه فيذكرهم نعمة الله عليهم: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ} (المائدة:20). {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} (إبراهيم:6) يذكرهم بعدما قد نجاهم الله مما كان يعمل بهم آل فرعون من التعذيب والتنكيل، وبعد أن أصبحوا أمة مستقلة لها قائدها تتحرك هي في ظل راية الرسالة التي بعث الله بها موسى، لكنه كان يقول لهم: إنما أنتم فيه لا تستشعرون أنها وضعية تحافظون عليها وتحرصون عليها إلا إذا ما تذكرتم ما كنتم فيه أيام كنتم في مصر تحت عبودية آل فرعون, فرعون وجنوده وقومه أولئك الذين كانوا يقتلون أبناءكم، يستحيون النساء ويذبحون البنين ويسومونكم سوء العذاب فيستعبدونكم في المهن المسترذلة وفي الأعمال الشاقة.

وهذه الآية هي مهمة جداً، الناس عادة متى ما كانوا في وضع سيء ثم تبدل بهم الحال فأصبحوا في وضعية أخرى، كانوا أذلاء فأصبحوا أقوياء، كانوا مستذلين فأصبحوا أعزاء، أصبح لهم قوة، أصبحوا متمكنين.. قد ينسون ويظنون بأنه هكذا انتهت تلك الوضعية السابقة فلم يبق إلا هذه الوضعية الجيدة وهكذا ستبقى، يتصور الناس بأن تلك الوضعية ستبقى هكذا على ما هي عليه إلى الأبد.. ألم يكن الناس أيام كان سوق [الخوبة] مفتوح زمان، وكانت البضائع رخيصة، وكان الناس يتحركون، كنت تلمس من الناس أنهم يرون أن هذه الوضعية ستبقى مستمرة هكذا.

الإمام الخميني كان يقول للإيرانيين بعد الثورة الإسلامية: إن الحفاظ على الثورة أهم من الثورة نفسها، أنتم قد ثرتم ونجحتم وحققتم انتصاراً عظيماً لكن هنا بدأ العمل الحقيقي وهو: الحفاظ على الثورة.. هكذا كان يقول لهم.
كما هنا قال موسى لقومه: حافظوا على هذه الوضعية التي أنتم فيها، لا تتنكروا لله، لا تبدلوا نعمة الله، تذكروا دائماًَ ما كنتم فيه سابقاً، ثم اذكروا نعمة الله عليكم إذ نجاكم منه، وفعلاً هذه لهذا أثرها العظيم فيما يتعلق بالحفاظ على منجزات الأمة، إذا الأمة تقارن بين ماضيها وما بلغت فيه وترى الفارق الكبير بين ذلك الوضع السابق السيئ وهذا الوضع الجيد الحسن فستحرص فعلاً على أن ترعى، على أن تحمي، على أن تدفع عن كل ما حقق لهم ذلك المكسب العظيم. اذكروا نعمة الله عليكم أن نجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم..إلى آخره، ثم انظروا كيف أصبحتم الآن، إذا لم تتذكروا تلك الأعمال السيئة السابقة فإنكم لن ترعوا هذه النعمة وهذه الوضعية الحسنة التي أصبحتم فيها.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من الشاكرين لنعمه، من الذاكرين لنعمه والشاكرين له عليها، وأن يجعلنا من أوليائه الذين لا خوف عليهم، ولا هم يحزنون. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين.

 

                والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،

دروس من هدي القرآن الكريم

من (ملزمة معرفة الله نعم الله الدرس الرابع)

‏ألقاها السيد/حسين بدرالدين الحوثي

بتاريخ: 21/1/2002م

 اليمن – صعدة