فخ “الأرض المحروقة” وصبر المقاومة: لماذا يغلي المحور خصومه بهدوء؟ 

البيضاء نت | تقرير طلال نخلة 

أهلاً بكم مجدداً. قبل تفكيك التساؤلات، لا بد من وقفة ميدانية دقيقة لتوضيح ما يجري على الجبهة اللبنانية، وهو ما يجيب تلقائياً عن تساؤلات بعضكم حول ندرة الحديث عن تفاصيل هذا المحور في التقارير اليومية الشاملة.

ما نشهده اليوم من توسيع جيش الاحتلال لقصفه نحو القرى المحيطة بمحور تقدمه (ما بعد مرتفع علي الطاهر)، وصولاً إلى البقاع الغربي وجبل صافي وحتى جبل الرفيع والريحان، ليس تخبطاً عشوائياً. هذه سياسة “أرض محروقة” كلاسيكية، تهدف أولاً إلى تهجير السكان بالكامل، تمهيداً لمحاولة التقدم البري لاحقاً نحو نقاط حاكمة واستراتيجية مثل “الريحان”، التي تشرف وتكشف مساحات واسعة جداً وصولاً إلى صيدا.

المقاومة تدرك هذا الفخ التكتيكي جيداً؛ لذلك نرى هذا الصمت والانضباط العالي في الاشتباك. في هذه المرتفعات، تمتلك المقاومة رصيداً تاريخياً في كسر ألوية النخبة الإسرائيلية، وترى بحكمتها العسكرية الحالية عدم كشف مرابضها ومواقعها الدفاعية للغطاء الجوي الإسرائيلي إلا لـ “الصيد الثمين”. هذا التكتيك هو سبب الهدوء البري النسبي، فالجنوب اليوم يعمل كجبهة استنزاف وتثبيت شديدة التعقيد بانتظار الانفجار الإقليمي الأكبر، وليس مسرحاً للحسم المنفرد، مما يجعل تغطيتنا تركز على محركات الحرب الكبرى (المضائق، النفط، القواعد) التي ستحدد مصير هذه الجبهة وغيرها.

بالانتقال إلى تعليقاتكم القيمة، نضعها في ميزان التحليل العسكري والجيوسياسي:

توقيت الانفجار (قبل أم بعد الانتخابات): الساعة البيولوجية لهذا الصراع مضبوطة على الانتخابات النصفية الأمريكية (نوفمبر 2026) أكثر من الانتخابات الإسرائيلية. ترمب في مأزق؛ هو يحتاج إما إلى إنجاز دبلوماسي أو نصر عسكري يخفض أسعار الديزل التي تفتك بقاعدته الناخبة قبل التوجه لصناديق الاقتراع. نتنياهو، من جهته، يناور لإطالة أمد الحرب لضمان بقائه السياسي، لكن الكلمة الفصل لما سيقرره البيت الأبيض في الأسابيع القليلة القادمة.

الرفض السعودي للحلول: الحسابات السعودية لا تنطلق من عقليات أو مزاجيات، بل من رعب استراتيجي ووجودي. الرياض تدرك أن أي صفقة أمريكية-إيرانية تتضمن رفع الحصار عن اليمن دون ضمانات أمنية صارمة للسعودية، تعني تسليم حدودها الجنوبية ومفاتيح باب المندب كلياً لأنصار الله. هذا التطور يُسقط “رؤية 2030” ومشروع الاستقرار الاقتصادي بالضربة القاضية. الخلاف الحالي هو تضارب مصالح وجودية بين واشنطن التي تبحث عن مخرج، والرياض التي تخشى التُرك وحيدة.

مدى نجاح الحصار الأمريكي: لا شك أن الحصار الجوي والبحري يوجع الاقتصاد الإيراني ويضغط على بنيته، لكن نجاح أي حصار عسكري في التاريخ يُقاس بـ “الاستسلام السياسي” للخصم. أمريكا تحاصر إيران، لكنها في المقابل تدفع 45 مليار دولار كلفة مباشرة، وتستنزف مخزون صواريخها الاستراتيجية لعقود قادمة، وتواجه أزمة طاقة داخلية بأسعار ديزل تاريخية. هو استنزاف متبادل وكبير، وليس انهياراً لطرف واحد، بدليل أن طهران لا تزال تتمسّك بشروطها وتصعّد في هرمز.

كيف تمنع إيران طيران الدول المشاركة بالحصار؟ الجغرافيا هي السلاح الأمضى. إيران تشكل جسراً جوياً هائلاً وممراً إجبارياً بين الشرق والغرب. منع طيران دول معينة من عبور الأجواء الإيرانية يجبرها على اتخاذ مسارات التفافية طويلة جداً ومكلفة (حرق وقود إضافي، ساعات طيران أطول)، ما يجعل رحلات شركات الطيران الإقليمية غير مجدية اقتصادياً ومكلفة للغاية. أضف إلى ذلك قدرة طهران على فرض “حظر بالنار” أو حرب إلكترونية (GPS Spoofing) تعمي وتعرقل الملاحة المدنية في المنطقة بأكملها.

لماذا لا توجّه إيران ضربة استباقية؟ في العلوم الاستراتيجية، “الصبر الاستراتيجي” يتفوق على الانفعال التكتيكي. المحور يعتمد حالياً استراتيجية “غلي الضفدع”؛ استنزاف الخصم (أمريكا، إسرائيل، السعودية) اقتصادياً وعسكرياً ولوجستياً ببطء وتدرج. توجيه ضربة استباقية شاملة سيعطي واشنطن وتل أبيب المبرر القانوني والغطاء الدولي الكامل لشن حرب تدميرية واسعة بحجة “الدفاع عن النفس”. المحور يحقق أهدافه بالنقاط وبشلّ الممرات، ولا مصلحة له في قلب الطاولة بالكامل طالما أن خصمه ينزف.

خلاصة هذا المشهد المعقد:

أن المعركة اليوم تجاوزت مفهوم الاشتباك العسكري الكلاسيكي لتصبح “حرب عض أصابع” جيوسياسية شاملة. في لبنان، تدير المقاومة الميدان بعقل بارد يُفشل فخ الاستدراج الإسرائيلي نحو حرب استنزاف مجانية. وفي الخليج، يطبق المحور استراتيجية الخنق المتدرج بحراً وجواً. واشنطن، الرياض، وتل أبيب عالقون في استنزاف مركب يكلفهم مليارات الدولارات، ومخزونات استراتيجية، وشرعية سياسية تتآكل. كل يوم يمر دون تسوية يضيق الخناق على الإدارة الأمريكية قبيل انتخاباتها النصفية، مما يضعها أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الرضوخ القسري لمعادلات المحور الجديدة، أو الانزلاق نحو جنون عسكري سيحرق ما تبقى من مصالحها في الشرق الأوسط.

هل ترون أن استمرار قفزات أسعار الديزل في أمريكا وأوروبا سيعجّل برضوخ الإدارة الأمريكية قبل الانتخابات النصفية، أم سيدفعها نحو مغامرة عسكرية لكسر هذا الاستنزاف؟