كلمات قصار في حضرة الشاعر المحضار

البيضاء نت | مقالات 

بقلم / جهاد اليماني

 

ووري الجثمان الثرى، وانتقل المحضار إلى جوار ربه شهيدًا وقضى نحبه صابرًا محتسبا في معركة كان ميدانها الألم والوجع والمعاناة على مدى سنوات، بعد حياة حافلة بالعطاء، مضمخة بالصبر معطرة بالجهاد..
إنه شاعر اليمن الكبير القادم من حضرموت الحضارة والتاريخ /مصطفى المحضار.

لم يكن المحضار شاعرًا يكتب القصيدة فحسب؛ بل كان صاحب رسالة، حمل الكلمة موقفًا، والشعر قضية، وظل وفيّا لوطنه وقيمهِ ومبادئه حتى لفظ أنفاسه الأخيرة.
وللمحضار من اسمه نصيب؛ فحضوره كبير، وعطاؤه غزير، وإخلاصه لله ورسوله، ولوطنه وقضيته منقطع النظير.

تميز وتفرد وأبدع وهندس وتفنن وأتقن وصدح بصوته الجهوري بـ( هيهات منا الذلة) و(في اليمن هذا غير وارد) و (مع السيد القائد) و( القوبري والملصي)وتحت ظلال (راية الحق)؛ (هلك سلمان) و( النصر آت) و(الكعبة ميراثي).

بهذه العناوين وغيرها الكثير الكثير خاض معركة الدفاع عن الوطن؛ فقصائده سلاحه الفتاك، وجيشه الجرار؛ بما تظافر فيها من بلاغة الصورة، وجزالة الكلمة، وقوة اللفظ وصدق المعنى، وعمق الإحساس، وهندسة الإيقاع، وجلجلة الإلقاء، وبكامل عتادها وقوتها تعبر المدى، وتدوي في الأفق، وتخترق الحواجز والأسوار؛ لتصيب حلف البغي والشر في مقتل.

ومن يستمع لصوت المحضار المججل الثائر، بهذه الأنفاس القوية الصاخبة؛ يتملكه العجب كيف ينقل الشاعر قاموسه الشعري ولغتهِ الحماسية إلى قصائد تتسم بالرقة والعذوبة والإنسانية، وهو يروي قصص الطفولة تحت أنقاض القصف بـ ( يابثينة غمضي ) ( لا يابني ) ( أطفال اليمن ) فيصبح صوت الطفولة؛ فيصبح صوت الطفولة ولسان حالها والمعبر عن جراحها.

وهاهو الفارس اليوم يترجل عن صهوة جواده تاركا وراءه إرثًا عظيما وسيرة عطرة كعبق الورد… وكان لرحيلهِ دويا يشبه تماما دوي قصائده على المستوى الإعلامي والثقافي والشعبي.
لكن الغصة الكبيرة والسؤال الصعب الذي يتردد الآن: تُرى كيف كان اهتمام وحفاوة المنصات الإعلامية والثقاقية بهذه القامة الشعرية الشامخة خلال سنوات طوال من المعاناة والوجع والمرض؟
هل كان لهاحضورا لافتًا كما نشاهده اليوم؛ أم أن الشاعر كان يتجرع الموت بمفرده؟!

يلتفت يمينًا وشمالاً فلا يجد سوى خاله العزيز ووالدته الصابرة المضحية المكافحة (معلمة محو الأمية)؛ فيقرأ في ملامحها وتجاعيد وجهها علامات القهر والحرمان، وقد خط الدمع على تلك التجاعيد الذابلة مساراته المتعرجة؛ وهي ترى وحيدها وحشاشة روحها طريح الفراش يصارع الموت وحده! لا يجد من يسنده من محيطه الشعري والثقافي، ولا من ينتشلهُ من معاناته في رحلة علاجية قد تخفف من وجعه وقد فرض العدو حصاره المطبق الخانق على اليمن منذ اثني عشر عاما؛ ليتواصل الرحيل بغصة ومرارة تعجز الكلمات عن وصفها.

ختاما ينبغي ألا نجعل من رحيل المبدعين موعدًا لاكتشاف عظمتهم؛ بل يجب أن نفرد لهم جناحا من الرأفة، وظلا من الوفاء، مادامت قلوبهم تنبض، وأعينهم ترف. لا أن نتذكرهم ونعدد مناقبهم و نحتفي بهم وقد رحلوا وقلوبهم وأرواحهم تكتوي بنار القهر وحمم الحرمان..
سلام الله ورضوانه على شاعرنا الكبير مصطفى المحضار ونسأل الله العظيم أن يتقبله في الشهداء ويلحقه بمقامهم العظيم فهو القائل سبحانه: ( وَ لَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّـهِ وَ رَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)