«السيادة أولاً».. صنعاء تفكك شفرة التهدئة الإقليمية بمرونة سياسية ومكاشفة تاريخية

البيضاء نت | تقرير خاص 

تتجه الأنظار مجدداً نحو العاصمة اليمنية صنعاء، وهي تخوض غمار مرحلة دقيقة ومفصلية تتداخل فيها لغة الميدان مع حراك الدبلوماسية الإقليمية والدولية. وفي وقت تتزايد فيه الدعوات الداعية إلى كبح جماح التصعيد وإنهاء الأزمات المشتعلة في المنطقة، ترسم صنعاء معالم التعاطي مع هذه التحركات وفق معادلة متوازنة تجمع بين أعلى درجات المرونة السياسية والانفتاح الدبلوماسي من جهة، والتمسك الصلب بأسس السيادة الوطنية ورفض منطق الاستهداف والوصاية من جهة أخرى.

هذا الأداء السياسي البارز تبلور في التفاعل الرسمي الأخير مع المبادرات والدعوات الصادرة عن رموز دينية وفكرية ذات وزن إقليمي كبير، وفي مقدمتها الأزهر الشريف؛ حيث تسعى صنعاء عبر هذا المسار إلى تفكيك شفرة التهدئة الإقليمية المطروحة، وإعادة تعريف السلام المنشود ليس بوصفه مجرد هدنة عابرة أو تهدئة قسرية، بل كمسار استراتيجي يستند إلى المكاشفة التاريخية، والاعتراف بالحقوق المشروعة، وإنهاء أسباب الصراع من جذورها.

مرونة دبلوماسية وانفتاح على الحكماء

في خطوة لافتة عكست مستوى عالياً من الحصانة السياسية والدبلوماسية، وجّه المتحدث باسم حركة أنصار الله ورئيس الوفد الوطني التفاوضي، محمد عبد السلام، رسالة ترحيب رسمية وواسعة بدعوة شيخ الأزهر الشريف، واصفاً إياها بالمسؤولة والحكيمة لجهة إنهاء الحروب المشتعلة في المنطقة وتغليب لغة الحوار والعقل.

هذا الانفتاح الدبلوماسي لم يكن مجرد تسجيل موقف بروتوكولي، بل مثّل فرصة استراتيجية لوضع الرؤية اليمنية أمام شخصية دينية ذات رمزية جامعة، بما يحمله ذلك من أبعاد تتجاوز الأطر السياسية التقليدية نحو مخاطبة وجدان وضمير النخب العربية والإسلامية.

المكاشفة والتاريخ: جذور الأزمة ومظلومية 2015

في قلب الرسالة الموجهة لشيخ الأزهر، اختارت صنعاء انتهاج لغة المكاشفة التاريخية، وضعت من خلالها حقائق السنوات الماضية على الطاولة، ومستعرضة مظلومية الشعب اليمني منذ بدء الحرب في عام 2015.

وشدد عبد السلام على مرتكزات أساسية في الرواية اليمنية للمواجهة، أبرزها:

  • عدم العدوانية المسبقة: تأكيد أن اليمن لم يكن يوماً مهداً لجيرانه، ولم يبتدئ أي حرب ضد السعودية.

  • طبيعة التحرك الوطني: التوضيح بأن الثورة اليمنية لم تكن أبداً استهدافاً أو تحدياً للمملكة، بل مثلت حركة تحرر وطني تهدف حصراً لاستعادة السيادة الوطنية وكسر طوق الوصاية الخارجية الذي امتد لعقود.

هذا الطرح يعيد تصويب النقاش حول طبيعة الأزمة، محولاً إياها من إطارها الضيق كنزاع حدودي أو إقليمي عابر، إلى قضية تحرر وطني واستقلال قرار سياسي.

مسار المواجهة ودعوات التهدئة: بين الرغبة في السلام وشروط السيادة

تأتي هذه التطورات في وقت تتقاطع فيه الدعوات الإقليمية والدولية للتهدئة مع استمرار تعقيدات المشهد الميداني والسياسي. وتقرأ الدوائر السياسية في صنعاء هذه الدعوات من زوايا دقيقة:

  1. الترحيب بالسلام المشروط: تبدي صنعاء استعداداً دائماً للتعاطي الإيجابي مع أي مساعٍ جادة للتهدئة، شريطة أن تبنى على أساس الاعتراف بالسيادة اليمنية الكاملة، ووقف العدوان، ورفع الحصار، وتقديم المعالجات الإنسانية والاقتصادية الملحة كمدخل حقيقي لأي استقرار مستدام.

  2. الرفض القاطع لمنطق الاستهداف: في المقابل، ترسم صنعاء خطوطاً حمراء واضحة تجاه أي محاولات لفرض تسويات منقوصة أو الالتفاف على الحقوق المشروعة للشعب اليمني. فالتواصل مع الحكماء والترحيب بالدعوات العاقلة لا يغنيان عن جاهزية الردع ورفض أي استهداف عسكري أو اقتصادي مستمر.

أفق المرحلة القادمة

إن تفاعل صنعاء مع دعوات التهدئة، واقترانها بخطاب المكاشفة التاريخية، يضع الكرة في عواصم القرار الإقليمي والدولي لاختبار جديتها في إنهاء الحرب. وبينما تمد صنعاء يدها للحوار مع الشخصيات والمبادرات الحكيمة، فإنها تؤكد في المقابل أن السلام العادل لا يتحقق إلا بالاعتراف بندية الشراكة واحترام سيادة الشعور الوطني اليمني بعيداً عن حسابات الوصاية والهيمنة.