لماذا أنقذَ المشروعُ القرآنيُّ الأُمَّــةَ حينَ فشلَ الجميع؟

البيضاء نت | مقالات

بقلم / عدنان عبدالله الجنيد

 

حين يتحوّل الدم إلى وعي.. في ذكرى استشهاد الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي (رضوانُ الله عليه)، لا نستحضر رجلًا غاب، بل مشروعًا حضر، ولا نرثي دمًا سُفك، بل نقرأ وعيًا انفجر، ومسارًا تاريخيًّا ما زال يكتب نفسه في قلب المواجهة مع منظومة الاستكبار العالمي.

لم تكن شهادةُ الشهيد القائد نهاية خطاب، بل بداية زمنٍ؛ زمنٍ خرج فيه القرآنُ من زوايا التلاوة المعزولة إلى ساحات الاشتباك، وتحول فيه الإيمان من حالة وجدانية إلى قوّة تصنع القرار، وتكسر الهيمنة، وتعيد للأُمَّـة قدرتها على الفعل.

هذا المقال ليس رثاءً، بل تشريحٌ سياسيٌّ واستراتيجيّ لسؤالٍ مفصلي: لماذا سقطت كُـلّ المشاريع، وبقي المشروع القرآني وحده واقفًا في قلب النار؟

أوّلًا: المشروعُ القرآنيُّ.. المنقذُ والمخلِّصُ للأُمَّـة: لماذا؟

لم يعُدِ المشروعُ القرآنيُّ فكرةً وعظية، ولا خطابًا تعبويًّا عاطفيًّا، ولا تجربةً محليةً قابلةً للاحتواء أَو العزل، بل تحوّل – بحكم الوقائع الصلبة والنتائج المتراكمة – إلى أخطر مشروع تحرّر وعيًا، وأشدّه فتكًا بمنظومة الاستكبار العالمي.

لقد سقطت كُـلّ المشاريع: القومية فشلت، الليبرالية ارتهنت، الإسلام السياسي تهاوى أَو أُدجِن، والأنظمة سقطت في الامتحان الأخلاقي قبل السياسي.

وبقي المشروع القرآني وحدَه واقفًا في قلب النار؛ لا يساوم، لا يعتذر، لا يفاوض على الحق.

ليس لأَنَّه يملك المال أَو الإعلام؛ بل لأَنَّه أعاد تعريفَ المعركة من جذورها: من صراع حدود إلى صراع وجود، ومن إدارة مصالح إلى مواجهة استكبار، ومن سياسة بلا روح إلى تكليفٍ إيمانيٍّ واعٍ.

لقد أثبتت الحقائقُ – لا الشعارات – أنّ المشروعَ القرآني هو المنقذ الحقيقي للأُمَّـة:

تجاوز الحروب الست، وتحويل محاولات الإبادة إلى مدرسة صلابة.

تحقيق وَحدة 21 سبتمبر وكسر الوَصاية الدولية.

هزيمة تحالف عدوان يضم أكثر من دولة بقيادة أمريكا، قرن الشيطان الأكبر.

إذلال البحرية الأمريكية في البحر الأحمر وتحطيم أُسطورة “السيطرة البحرية”.

إقفال باب المندب في وجه ثلاثي الشر (أمريكا – بريطانيا – كَيان الاحتلال).

ضرب عمق فلسطين المحتلّة بالصواريخ، لا بالبيانات.

عجز العالم عن منع اليمن من نصرة فلسطين.

تجديد الولاء لله ولرسوله بدل الولاء للسفارات.

إحياء الهُوية الإيمانية كسلاح تاريخي، لا كطقس فارغ.

هنا فقط نفهم لماذا تخاف أمريكا من هذا المشروع، ولماذا يرتعد نتنياهو عند ذكر اليمن، ولماذا كان ترامب – رغم غطرسته – عاجزًا عن كسره.

ثانيًا: الهيمنة الأمريكية.. مشروع سيطرة لا “دولة عظمى”

أكبر خدعة في التاريخ الحديث أنّ أمريكا “قوّة عظمى”.

الحقيقة التي فضحها المشروعُ القرآني أنّها مشروع استكبار عالمي يعيش على نهب الثروات، إدارة الحروب بالوكالة، صناعة الطغاة ثم حمايتهم، تحويل الجيوش إلى حرّاس مصالح، وتجويع الشعوب باسم “الاستقرار”.

ترامب لم يكن استثناء، بل الصيغة العارية لهذا الاستكبار؛ لغة فظة، ابتزاز مباشر، تهديد بلا أقنعة.

ونتنياهو ليس زعيمًا، بل وظيفة قذرة في مشروع إبادة، واجهة دموية لكيانٍ قائم على القتل والتطهير.

وكلّ من يصمت عن هذا الإجرام، أَو يبرّره، أَو يساويه بالمقاومة، هو شريك في الجريمة مهما تزيّن بالحياد أَو العقلانية أَو الواقعية السياسية.

ثالثًا: القرآن.. حين خرج من المصحف إلى ساحة الاشتباك

أخطر ما فعله الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي أنّه انتزع القرآن من الزوايا، كسر احتكارَه من قبل الفقه الميّت، وأعاده قائدًا للحياة والسياسة والحرب والاقتصاد.

فالقرآن في المشروع القرآني: يحدّد العدوّ، يفرز المواقف، يبني الإنسانَ، يصنع القرار، يشرعن المقاومة، ويجرّم الاستسلام.

ولهذا لم يكن الصدامُ مع أمريكا صدام مصالح، بل صدام قرآنٍ حيّ مع منظومة شيطانية.

رابعًا: الصرخة.. الرصاصة الأولى في رأس الهيمنة

«الله أكبر، الموت لأمريكا…» لم تكن شعارًا، بل إعلان حرب نفسية وعقدية.

لقد فعلت الصرخةُ ما لم تفعلْه آلافُ المؤتمرات: كسرت حاجز الخوف، أسقطت هيبة العدوّ، كشفت هشاشة أمريكا نفسيًّا، وحوّلت الجماهير من متفرّج إلى طرف فاعل.

ولهذا كانت الصرخةُ أخطرَ على واشنطن من الصاروخ، وأكثر إزعاجًا لنتنياهو من ألف بيان شجب.

خامسًا: من اليمن إلى فلسطين.. سقوط وهم الفصل بين الساحات

ما يجري اليوم ليس مفاجأة، بل التطبيق الحرفي لتشخيص مبكّر قاله الشهيد القائد: المعركة واحدة، والعدوّ واحد، والساحات تتعدّد ولا تنفصل.

ولهذا: دخل اليمن معركة فلسطين بلا إذن، فرض معادلة البحر الأحمر بلا تفاوض، أسقط الردع الأمريكي عمليًّا، وفضح النظام الدولي كعصابة لا قانون لها.

خاتمة: لماذا فشل الجميع.. ونجا المشروع القرآني؟

لأَنَّ الجميعَ فاوض من موقع الضعف، راهن على أمريكا، خاف من الكلفة، وعبد الواقع.

بينما المشروع القرآني راهن على الله، بنى الوعيَ، قبِل التضحية، وحوّل الإيمانَ إلى قوّة.

لهذا نجا، ولهذا انتصر، ولهذا سيبقى.

ليس خيارًا بين خيارات، بل قدر أُمَّـة، وطريق خلاص، ومعادلة مستقبل، حتّى النصر.