سقوط الأقنعة وانكشاف العورات السياسية

البيضاء نت | مقالات 

بقلم / عبد القوي السباعي

 

بين صرير الأبواب في “ويكيليكس”، وأنين الزوايا في جزيرة “إبستين” الشيطانية، ثمّة خيطٌ رفيعٌ من الدخان يربط بين فضيحة السلطة والسياسة، وفاحشة الجسد وانكسار الفطرة، ليرسم ملامح عالمٍ يُدار بالشهوة لا بالأخلاق، وبالابتزاز لا بالمبادئ.

جميع تلك الوثائق كانت زلزالًا كشف عن وجوهٍ ظلت لعقودٍ تتوارى خلف بريق السلطة وقداسة الشعارات؛ وجوهٌ سقطت عنها الأقنعة دفعةً واحدة، لتظهر ملامحها الحقيقية مشوّهة بانتهازية مفرطة، ووحشية تجعل من استحضار تفاصيلها خدشًا لوعي الإنسان وحيائه.

نحن لا نتحدث هنا عن مُجَـرّد أخطاء، وإنّما عن صناعة دقيقة للسقوط، تشرف عليها أصابع صهيونية لا تترك صدفةً تمر دون أن تحوّلها إلى قيد، ولا تترك شهوةً دون أن تجعل منها أرشيفًا غدقًا، يُحفَظ في غرف الموساد الصهيوني الباردة كخنجرٍ مسمومٍ ينتظرُ لحظة الطعن.

في قصبة الصيد الصهيونية، تبدو الشباك جاهزةً دائمًا، طُعمُها المالُ الفاسد ولذّات الجسد المسمومة، والضحايا ليسوا عابري سبيل، وإنّما هم من عِلِّية القوم، أَو كنا نحسبهم كذلك؛ زعماء، ملوك، أمراء، رجال مال، قضاة، إعلاميون، وحتى من يرتدون مسوح الدِّين والتدين.

هذا الأرشيف اللعين بات أوراقًا للاستعباد الحديث، حَيثُ تتحول تلك الشخصيات من عربٍ ومسلمين وغربيين وشرقيين، حتى الأمريكيين أنفسهم، والتي كان يُعتقد أنها اعتبارية ومؤثرة، من قمة الهرم إلى قاعدته، إلى دمىً ممسوخة يُحرّكها البروتوكول الصهيوني الخفي كيفما شاء.

وحين تأبى هذه الدمى الرقصَ على الإيقاع المطلوب، أَو حين تتباطأ في تنفيذ الأجندة، تُفتَح صماماتُ الأرشيف لتتدفق الفضائح؛ ليسَ مِن أجلِ الإصلاح؛ وإنّما مِن أجلِ التطويع والإذلال، ليركع الجميع تحت وطأة الوثائق المسرّبة التي توثّق لحظة السقوط الكبير.

ما جرى في جزيرة إبستين الشيطانية لم يكن سوى فصلٍ من فصول الرواية المُرَّة، ولن يكون الأخير في جُعبة الأخطبوط الذي يراقب العالم بعين الغواية والترهيب؛ فالجميع أمام مخطّط محكَم يحوّل القادة إلى عبيدٍ لمغامراتهم الطائشة، ويجعلُ من المصير القومي والوطني رهينةً في يد أرشيفٍ مخابراتي لا يرحم.

والحقيقة التي تصفعُ الوجوهَ اليومَ هي أن القادمَ قد يكونُ أشدَ مرارةً وأكثر قسوة، ما لم تنفض الشعوب غُبار الغفلة، وما لم تستعد الشخصية العربية والإسلامية وعيَها الأخلاقي والسياسي، لتواجهَ هذا الاختراق الذي لم يعد يكتفي باحتلال الأرض، وإنّما يمضي ليغتصبَ القرارَ والإرادَة عبر أرشفة العورات وتحويلها إلى أوراقِ ضغطٍ سياسي عابرٍ للقارات.