مخاطر الحسد وآثاره

البيضاء نت | مقالات 

بقلم / طاهر حسن جحاف

 

الحسد ذنب من أعظم الذنوب، جعل الله لصاحبه سوء الدار والخاتمة؛ لما له من آثار اجتماعية كارثية.

وللحسد امتداد تكويني منذ أن خلق الله الإنسان، فبداية الحسد وامتداده التاريخي من بداية التكوين، والصراع القائم اليوم بين الحق والباطل أَسَاسه الحسد.

 

الحسد في ميزان القصص القرآني

عندما تحدث الله عن ابني آدم؛ إذ قربا قربانًا، كان لآدم عليه السلام ولدان: قابيل وهَّـابيل.

الأول كان يحمل نزعة الشر وليس فيه تقوى، والثاني مؤمن متقٍ يحمل إرادَة الخير.

قدّم كُـلّ منهما قربانًا لله، فتقبل الله قربان هابيل كونه تقيًّا ويحمل إرادَة الخير تجاه أخيه، فتقبّل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر.

قال (قابيل): “لأقتلنك”، فأظهر نوايا الشر تجاهه بفعل ذلك الموقف، وأول ما فكر فيه هو التخلص من أخيه؛ لأن الله تقبل منه ولم يتقبل من الشرير، (فرد عليه هابيل): ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾.

الفارق الذي كان بينهما هو “النوايا” فقط، لذا قال: ﴿لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾؛ معبرًا عن المشاعر الحسنة التي كان يحملها تجاه أخيه.

 

وفي النهاية قتل أخاه وعصى الله، فاستحق غضبه وعقابه.

وفي قصة يوسف عليه السلام، عندما تآمر عليه إخوته، كان الدافع الحقيقي هو الحسد؛ حين قالوا: “إن أخانا أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة”.

كان الدافع هو الحسد لأخيهم كونه أحب إلى أبيهم، فاتجهوا إلى التخلص منه، وكان تفكيرهم يصور لهم أنهم بمُجَـرّد التخلص منه سيكونون البديل له في مستوى القرب من أبيهم، وقد أخطأوا التقدير، فكانت النتيجة عكسية وازدادوا بُعدًا؛ وهكذا هو الحاسد.

 

جذور الصراع: من اليهود إلى بني أمية

والمشكلة التي لدى اليهود تجاه المسلمين هي الحسد؛ يحسدون الناس لأن الرسول صلوات الله عليه وعلى آله جاء من العرب، بينما أرادوا أن تبقى النبوة ووراثة الكتاب فيهم، فيحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله.

كما أن سبب العداء الحقيقي من بني أمية لبني هاشم هو الحسد؛ لأن رسول الله جاء منهم، فأصبحوا يحيكون المؤامرات على الإسلام كله.

 

سيكولوجية الحاسد وعلاجه بالإيمان

الحسد ذنب وخلق ذميم، يورث صاحبه ضيق الصدر وضنك المعيشة.

والحاسد أَسَاسًا نظرته لله ناقصة، ويشكك في عدالة الله، وليس لديه أي تنزيه لله أَو استشعار لعظمته، ولا يدرك أن هذا الكون لله وأن الأمر كله بيد الله.

فالحسد يأكل صاحبه كما تأكل النار الحطب، ولا يزيد فيما عند الحاسد شيئًا، ولا ينقص مما لدى المحسود شيئًا، والحاسد غير مستفيد حتى قنطارًا.

ولا يزيل الحسد من الإنسان إلا الإيمان بالله وإدراك حقيقة أن الحياة قائمة على سنة إلهية وهي “التفضيل” في كُـلّ شيء.

ولا يقدر الإنسان أن يسيطر على الحسد إلا بالتقوى، وإلا فقد تجد هذا (الميل) في كثير من الناس حتى المؤمنين، ولكن السيطرة عليه تكون بالتقوى والإيمان وحب الآخرين وحمل إرادَة الخير لهم.

 

أثر الحسد في العلاقات الاجتماعية

فكم تدور من خصومات ومعتركات في الحياة، أحيانًا على مستوى البيت الواحد، أَسَاسها ومنبعها الحسد!، حَيثُ يتجه الحاسد بالخصومة إلى المحسود، فتكون خصومة بدون سبب واضح يستدعي ذلك، وتكون تصرفات الحاسد نحو المحسود متمثلة في التحقير، والتقليل من القيمة، والكره، وانعدام الراحة؛ فإذا سألت الحاسد عن سبب هذا الكره، يقول لك: “لا أرتاح له وكفى”.

والحسد هو تمني زوال نعمة أنعم الله بها على المحسود، ولا يعلم الحاسد أن كُـلّ مخلوقات الله في الحياة لديهم ميزة في اتّجاه معين، لتكون الحياة متكاملة وقائمة على أَسَاس تقاسم الأدوار بجوانبها المختلفة.

وأغبى تفكير للحاسد هو أنه غير مستفيد أَسَاسًا، وهو يدرك هذا جيِّدًا ويوقن أنه لن يتأثر في شيء أبدًا.

الخلاصة: السيطرة على هذا الذنب تأتي من استشعار حالة التقوى وإدراك حقيقة الحياة، وأننا في محل اختبار وابتلاء من الله.

والرسول صلوات الله عليه وعلى آله تحدث الله عنه قائلًا: ﴿وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾؛ وهي نظرات حادة جِـدًّا؛ بسَببِ سماع الذكر العظيم لأنهم مدركون أنه من عند الله، وقالوا إنه لمجنون.

إن الالتزام بالأذكار اليومية هو أحد الأسباب التي تدفع نظرات الحسد.

نسأل الله أن يجنبنا الحسد وأن يوفقنا لطاعته، إنه على ما يشاء قدير.