القَصص القرآني.. وعيُ الهُدى في مواجهة الطغيان

البيضاء نت | مقالات 

بقلم / عدنان عبدالله الجنيد

 

في المحاضرة الرمضانية الثانية لعام 1447هـ، ينتقل السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي (يحفظه الله) من التأصيل النظري إلى الاستنطاق العملي للقصص القرآني، بوصفه وحيًا إلهيًّا حيًّا، ومنهجَ حياةٍ، وقانونَ صراعٍ كونيٍّ لا يتبدّل.

فالقصص في القرآن ليس سردًا تاريخيًّا ولا رواياتٍ تراثية، بل هو تصفيةٌ إلهيةٌ للتاريخ، تُحرّر الوعي من زيف الروايات البشرية، وتبني الإنسان القادر على فهم الحاضر واستشراف المستقبل.

ويؤسس السيد القائد لحقيقةٍ محورية مفادها أن القَصص القرآني وحيٌ لا يعتريه الزيف؛ إذ يقدّم الوقائع كما أنزلها الله سبحانه وتعالى، خاليةً من التحريف، لتكون ميزانًا نزن به الواقع، ونافذةً نُبصر من خلالها سنن الله في الأمم.

ومن خلال هذا القصص، يتعرّف المؤمن على الله معرفةً واعية؛ إذ يرى علمه المحيط بخفايا النفوس، وحكمته في تدبير الأحداث، وتسجيله لكل فعلٍ وموقف ليكون عبرةً دائمةً لأولي الألباب.

ويُشدّد الخطاب على أن الانتفاع الحقيقي بالقصص القرآني لا يتحقّق إلا بالعقل والتدبر؛ فالعقل الواعي هو الذي يحوّل النص من حكايةٍ محفوظة إلى وعيٍ نضاليّ، ومن قصةٍ ماضية إلى منهجٍ حاضر، ومن آيةٍ متلوّة إلى موقفٍ عملي في ميدان الصراع.

 

النبي موسى وفرعون.. صراعُ الرحمة في مواجهة الاستكبار:

وفي قلب هذا البناء القرآني، تتجلّى قصة نبيّ الله موسى عليه السلام بوصفها النموذج الأكمل لصراع الحق والباطل، وصراع الرحمة في مواجهة الاستكبار.

فقد مثّل فرعون ذروة طغيان «الأنا»، حين سخّر القوة والسلطة لاستعباد الناس، وذبح الأبناء، واستباح الدماء، وصادر الحق، وزيّف الوعي، حتى بلغ به الغرور أن قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأعلى﴾.

ولم يكن طغيان فرعون انحرافًا فرديًّا عابرًا، بل مشروعَ فسادٍ متكاملٍ قام على القهر المنهجي، وصناعة الخوف، وتدجين المجتمع، واستخدام القوة لإلغاء إرادَة المستضعفين.

فجاءت نهايته سنّةً إلهيةً خالدة تؤكّـد أن عاقبة الظلم – مهما بلغ جبروته – هي الهلاك، وأن وعد الله بنصرة المستضعفين لا يتخلّف.

 

فرعون لم يمت.. ورثته في العصر الحديث:

ومن هذا النموذج القرآني، يرتقي السيد القائد (يحفظه الله) إلى المقارنة الكبرى بين الماضي والحاضر، مؤكّـدًا أن فرعون لم يكن حالةً تاريخيةً منتهية، بل نموذجٌ يتكرّر.

ففرعون العصر يتجسّد اليوم في قوى استكبار عالميّ، وأنظمة متغطرسة، تمارس الطغيان ذاته ولكن بإمْكَاناتٍ تدميريةٍ أوسع وأشدّ فتكًا.

ويفضح السيد القائد زيف الادِّعاءات التي ترفعها القوى الصهيونية، ممن يزعمون الانتساب إلى موسى وعيسى عليهما السلام، بينما يمارسون جرائم الإبادة، والتطهير العرقي، وقتل الأطفال والنساء، بدعمٍ دوليٍّ شامل.

إنهم – في جوهر سلوكهم – ورثةُ فرعون في الإجرام، بل تجاوزوا طغيانه من حَيثُ الأدوات، واتساع دائرة القتل، وحجم الفساد في الأرض.

 

القصص القرآني.. بُوصلةُ الوعي السياسي الإيماني:

ويؤكّـد الخطاب أن القصص القرآني لا يُقدَّم للتربية الروحية المُجَـرّدة فحسب، بل بوصفه أدَاة لتحليل الواقع السياسي، وتحديد بُوصلة الصراع.

فالمعركة ليست حدوديةً ولا عرقيةً ولا آنية، بل هي امتداد تاريخيٌّ لصراع الخير والشر، والحق والباطل، والاستضعاف والاستكبار.

وتبقى سير الأنبياء – وفي طليعتهم موسى عليه السلام – نماذجَ عمليةً لكيفية مواجهة الطغيان بالصبر، والمقاومة، والثقة المطلقة بوعد الله، والعمل الواعي في ميدان الصراع، لا بالاستسلام ولا بالحياد.

 

رسالةُ الهداية والتحصين:

ويختم السيد القائد (يحفظه الله) بالتأكيد على أن رسالة الإسلام الخاتمة، التي جاء بها النبي محمد ﷺ، هي الوارث الحقيقي لكل الرسالات، وأن القرآن الكريم هو الحصن المنيع من الانخداع بالدعوات المضللة، والاصطفافات الزائفة، والرايات المزورة.

فالقصص القرآني وعيٌ متجدد، ومنهجُ تحصينٍ وبصيرة، ومن يستمع لهذه المحاضرة يخرج على يقينٍ راسخ بأن النصر حليف الحق، وأن عاقبة المستكبرين – كما كانت لفرعون وجنوده – هي الخسران والدمار، مهما طال الزمن أَو تعاظم الطغيان.