الجوع كأدَاة إعلامية
البيضاء نت | مقالات
بقلم / شاهر أحمد عمير
أطلقت بعض وسائل الإعلام الخليجية، تحت رعاية السعوديّة وأذرعها الإعلامية، حملات دعائية تحت شعار “الناس بيموتوا جوعًا”، مستهدفة إثارة الرأي العام العالمي حول أوضاع اليمن.
لكن سرعان ما تكشف الصمت المطبق لهذه الحملات عندما يتعلق الأمر بصنعاء، العاصمة التي تحمل معاناة حقيقية، مقارنة بعدن وغيرها من المدن، رغم أن الوضع المادي والاجتماعي في صنعاء أقل سوءًا بكثير من الصورة التي يحاول الإعلام تصويرها.
هذا الصمت المفاجئ لا يمكن فصله عن طبيعة تلك الحملات وأهدافها الحقيقية؛ إذ يثير تساؤلات جوهرية حول ما إذَا كان الدافع إنسانيًّا بالفعل، أم أن الجوع استُخدم كورقة ضغط إعلامية وسياسية، تُرفع عند الحاجة ثم تُسحب عندما تتغير الأولويات.
فلو كان الهدف إنقاذ الإنسان اليمني، لما كان الخطاب انتقائيًّا، ولا المعاناة خاضعة لحسابات التوظيف السياسي.
الواقع الميداني في صنعاء، ورغم سنوات الحصار والضغوط الاقتصادية، يكشف عن مجتمع ما زال متماسكًا، خُصُوصًا في شهر الخير، حَيثُ تنتشر المطابخ الخيرية في معظم الأحياء، وتصل السلال الغذائية إلى آلاف الأسر المحتاجة، ويتسابق أهل الخير على مد موائد الإحسان، في مشهد يعكس ثقافة التكافل المتجذرة في بلد الإيمان والحكمة.
هذا الواقع لا ينفي وجود معاناة، لكنه يدحض صورة المجاعة الشاملة التي حاولت بعض الوسائل الإعلامية تسويقها بشكل مضلل.
وفي المقابل، تتجاهل تلك الحملات أوضاعا إنسانية أشد قسوة في مدن أُخرى، وعلى رأسها عدن، حَيثُ تتفاقم الأزمات المعيشية، وتنهار الخدمات الأَسَاسية، وتتصاعد معاناة المواطنين في ظل فوضى اقتصادية وأمنية خانقة، دون أن تحظى هذه الأوضاع بالزخم الإعلامي نفسه، أَو بما سُمي سابقًا “القلق الإنساني”.
ولا يمكن فهم هذه الأزمة بمعزل عن الأسباب الحقيقية للجوع في اليمن، فالسعوديّة والإمارات ودول التحالف ليست أطرافا بعيدة عن المشهد، بل تتحمل مسؤولية مباشرة عما آلت إليه الأوضاع الإنسانية.
فمنذ نقل البنك المركزي اليمني إلى عدن، دخل الاقتصاد الوطني مرحلة خطيرة من الانهيار، حُرم خلالها ملايين الموظفين من مرتباتهم، وتدهورت العملة الوطنية، وارتفعت الأسعار بصورة غير مسبوقة، ما ضاعف معاناة المواطنين في مختلف المحافظات.
إلى جانب ذلك، تتعرض الثروات النفطية والغازية اليمنية لعمليات نهب منظمة، تُدار خارج إطار الدولة، ولا تنعكس بأي شكل على تحسين الوضع المعيشي للمواطن، بل تُستخدم لتعميق الأزمة وإدامة الاختلال الاقتصادي.
كما يستمر الحصار المفروض على اليمن برًا وبحرًا وجوًا، وهو حصار لا يستهدف طرفًا سياسيًّا بعينه، بل يطال حياة الناس اليومية، ويقيد دخول الغذاء والدواء، ويرفع كلفة المعيشة إلى مستويات خانقة.
ويضاف إلى ذلك ما لحق باليمن من دمار واسع في بنيته التحتية خلال سنوات العدوان، من طرق وجسور وموانئ ومرافق خدمية، فضلًا عن منع الرحلات الجوية عبر مطار صنعاء الدولي لفترات طويلة، وهو ما حوّل معاناة المرضى والطلاب والمسافرين إلى مأساة إنسانية حقيقية، بعيدة كُـلّ البُعد عن الشعارات الإعلامية التي رُفعت باسم الإنسانية.
إن هذا التناقض بين الخطاب الإعلامي والواقع يؤكّـد أن معاناة اليمنيين لم تكن يومًا أولوية حقيقية لتلك الحملات، بل وسيلة للتشويه والتضليل، ومحاولة للهروب من المسؤولية عبر تسويق صورة مجتزأة للأزمة.
فالجوع في اليمن ليس قدرًا طبيعيًّا، ولا نتيجة عجز ذاتي، بل ثمرة مباشرة لسياسات اقتصادية وحصار وعدوان ممنهج.
في المحصلة، فإن صمت حملة “الناس بيموتوا جوعًا” لا يعني أن الفقراء قد شبعوا فجأة، ولا أن المعاناة انتهت، بل يؤكّـد أن الجوع استُخدم كورقة إعلامية حين كان يخدم أجندة معينة، ثم جرى تجاهله عندما انكشفت الحقائق.
ويبقى الواجب على الإعلام الوطني والكتّاب الأحرار هو كشف هذا التلاعب، وتقديم خطاب مسؤول يعكس الواقع كما هو، ويحمل المسؤولية لمن تسبب فعليًّا في تجويع اليمن وتدمير مقدراته.