وعد الله الحق .. بداية النهاية لكل الطغاة
البيضاء نت | تقرير طارق الحمامي
قدّم السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي حفظه الله في الدرس السادس والعشرون رؤية قرآنية عميقة حول طبيعة الصراع بين الحق والطغيان، مستعرضاً من خلال قصة نبي الله موسى عليه السلام جملة من الدروس الإيمانية والقيادية التي تكشف سنن الله في مواجهة الظلم، وتوضح مسؤولية الإنسان في نصرة الحق وعدم الإسهام في دعم الطغاة أو تمكينهم من الفساد.
التحذير من الإسهام في دعم الطغيان
شدد السيد القائد على خطورة الدور الذي يقوم به بعض الناس حين يعينون الطغاة على فسقهم وإجرامهم وفسادهم، مبيناً أن الطغيان لا يقوم بذاته فقط، بل يعتمد على شبكة من المتواطئين والمساندين الذين يبررون الظلم أو يشاركون فيه أو يسكتون عنه، ويبرز هذا الطرح بعداً مهماً في فهم طبيعة الاستبداد عبر التاريخ؛ فكل طاغية يحتاج إلى أدوات وأعوان يسهّلون له طريق الظلم، سواء عبر الإعلام أو المال أو القوة أو التضليل. ومن هنا تتضح المسؤولية الأخلاقية والدينية لكل فرد في المجتمع، إذ لا يقف الأمر عند رفض الطغيان نظرياً، بل يتطلب الامتناع عن أي دور يسهم في تثبيته أو تمكينه.
الحق قوة منسجمة مع الفطرة
وأكد السيد القائد أن الله سبحانه وتعالى جعل الحق قوياً في ذاته، ومنسجماً مع الفطرة الإنسانية السليمة، ولذلك فإن الحق ليس مجرد فكرة نظرية، بل حقيقة واضحة تحيط بها البراهين والحجج، وفي هذا السياق، أشار إلى أن الله عز وجل أيد أنبياءه بالمعجزات والآيات الدالة على صدق رسالتهم، حتى لا تبقى حجة لأحد في رفض الحق أو التنكر له، فالرسالات السماوية جاءت واضحة في مضمونها وأهدافها، قائمة على مبادئ العدل والخير والرحمة، ومن هنا فإن رفض الرسالة الإلهية لا يعني مجرد اختلاف فكري، بل يمثل إساءة لله سبحانه وتعالى وللقيم الإنسانية التي جاءت الرسالات لترسيخها، كما أنه يفتح الطريق أمام البديل الخطير المتمثل في الطغيان والظلم والفساد.
الانطلاق من أساس التوحيد
وتناول السيد القائد انطلاقة نبي الله موسى عليه السلام في أداء رسالته، موضحاً أن أساس هذه الرسالة كان الإيمان بربوبية الله ووحدانيته، وهو الأساس الذي تقوم عليه كل الرسالات الإلهية، فالتوحيد ليس مجرد عقيدة روحية، بل هو مبدأ تحرري يحرر الإنسان من الخضوع للطغاة ومن عبودية البشر للبشر. ومن هنا كان الصراع بين موسى وفرعون صراعاً بين مبدأين: مبدأ العبودية لله وحده، ومبدأ الاستعلاء البشري الذي يمثله الطغيان، وقد بيّن السيد القائد أن الله سبحانه وتعالى قوّى موسى بأخيه هارون عليهما السلام، ليكون شريكاً له في أداء الرسالة، كما جعل لهما سلطاناً وهيبة ورهبة في مواجهة القوى التي قد تعترض طريقهما.
لحظة التحول الكبرى
وأشار السيد القائد إلى اللحظة المفصلية في حياة موسى عليه السلام عندما كلمه الله سبحانه وتعالى في الوادي المقدس طوى، حيث اكتمل إعداد موسى لتحمل الرسالة الإلهية، فبعد هذه اللحظة الفارقة عاد موسى إلى مصر حاملاً الرسالة المقدسة، مستنداً إلى اليقين بوعد الله وتأييده، ليبدأ مرحلة المواجهة مع فرعون الذي بلغ في طغيانه حداً تجاوز فيه كل الحدود، وتجسد هذه المرحلة في القصة القرآنية نموذجاً فريداً لقائد رسالي يحمل رسالة إلهية في مواجهة سلطة متجبرة، مستنداً إلى الإيمان والثقة بالله.
إقامة الحجة قبل العقاب
ومن أبرز الدلالات التي توقف عندها السيد القائد أن الله سبحانه وتعالى أراد من موسى وهارون أن يقيما الحجة على فرعون، وأن يقدما له الدعوة بأسلوب حكيم، حتى لا يبقى له عذر،
ولهذا أمرهما الله تعالى بأن يقولا له قولاً ليناً، وهو توجيه يحمل دلالة عميقة في منهج الدعوة إلى الله، فحتى مع طاغية كفرعون، الذي بلغ في الاستبداد مبلغه، كان المطلوب في البداية تقديم الدعوة بلطف وحكمة، ويكشف هذا التوجيه عن رحمة الله بعباده، إذ يمنحهم الفرصة للتراجع والعودة إلى الحق قبل أن يحل بهم العقاب. غير أن من يكذب ويعاند بعد إقامة الحجة فإن عقابه يصبح محتوماً وفق سنن الله في الكون.
القول اللين منهج في الدعوة
وأشار السيد القائد إلى أن توجيه الله لموسى وهارون بالقول اللين يمثل قاعدة مهمة في أسلوب الدعوة إلى الله، إذ ينبغي أن تقوم على الحكمة والرفق واللين في مخاطبة الناس، فالقسوة ليست منهجاً أصيلاً في الدعوة، بل الأصل هو تقديم الحق بأسلوب يفتح القلوب ويزيل الحواجز النفسية أمام تقبله، وهذا المنهج يعكس حكمة الرسالات السماوية التي تسعى إلى هداية الناس لا إلى إقصائهم، وإلى فتح أبواب الرحمة أمامهم قبل أن يأتي وقت الحساب.
الطمأنينة بوعد الله
ومن الشواهد المؤثرة التي أشار إليها السيد القائد في القصة القرآنية طمأنة الله سبحانه وتعالى لموسى وهارون عندما استشعرا خطر طغيان فرعون، حيث قال لهما: “إنني معكما أسمع وأرى”، ووصف السيد القائد هذا الوعد الإلهي بأنه من أجمل التعابير عن العون الإلهي، لما يحمله من معاني الحفظ والرعاية والتأييد،فالله سبحانه وتعالى مطلع على كل شيء، لا يخفى عليه شيء من أحوال عباده، وهو مع المؤمنين بنصره وتأييده.
وعد إلهي يشمل المؤمنين
أكد السيد القائد أن هذا الوعد الإلهي لا يقتصر على موسى وهارون عليهما السلام، بل يمتد ليشمل كل المؤمنين في أعمالهم الإيمانية ومواقفهم في نصرة الحق، غير أن تحقق هذه الوعود مرتبط بالإيمان الحقيقي بها، والثقة الصادقة بالله، والعمل وفق منهجه، فالقرآن الكريم مليء بالوعود الإلهية للمؤمنين بالنصر والتأييد والتوفيق، لكن هذه الوعود لا تتحقق إلا لمن يؤمن بها إيماناً عملياً ويؤدي مسؤوليته في إطارها.
ختاما
يحمل هذا الدرس القرآني، دلالات مهمة في الواقع المعاصر، حيث تتكرر مشاهد الطغيان في صور متعددة، كما تتكرر أيضاً مسؤولية المؤمنين في الوقوف إلى جانب الحق وعدم الإسهام في تمكين الظلم، كما يؤكد السيد القائد أن المواجهة مع الطغيان لا تقوم فقط على القوة المادية، بل تبدأ من الإيمان العميق بالله والثقة بوعده، والعمل وفق منهج الحكمة والحق، وفي ظل هذه المعاني، تظل قصة موسى عليه السلام نموذجاً خالداً يذكّر الأجيال بأن الطغيان مهما بلغ قوته فإنه إلى زوال، وأن الحق المدعوم بوعد الله هو المنتصر في نهاية المطاف.