لقد جعل اللهُ الحياة ميدانًا للتسابق في المكارم، واستخلف الإنسان لعِمارة الأرض لا لخرابها، ولعبادة الرب لا لاستعباد الخلق.
والموتُ في هذا الناموس ليس مُجَـرّد نهاية بيولوجية، وإنما هو الحد الفاصل الذي يستبين عنده مَن كان سعيه في بناء الوجود صرحًا للحق، ومَن كان عيثه في نقض العهود حفرًا للشقاء.
فشأن الهداية أن تُبصر بنور الله، وشأن الضلالة أن تتخبط في تيه المادة؛ وكما لا يستوي الأعمى والبصير، لا يستوي من وهب حياته لترميم وجع الإنسانية، ومن أفنى عمره في تمزيق أشلائها.
إن ما نشهده اليوم من غطرسة صهيونية مدعومة بآلة الاستكبار العالمي -التي يمثلها تحالف الطغيان المعاصر- هو تجسيدٌ حي لمنطق “معاول الهدم” وليس مُجَـرّد صراع سياسي على حدود أَو جغرافيا.
الاعتداءات الممنهجة على غزة ولبنان، واستهداف عمق الجمهورية الإسلامية في إيران، ومحاصَرة يمن الإيمان والحكمة، ليست إلا أعراضًا لداء “الاستكبار” الذي يرى القوة غايةً لا وسيلة، والفساد وسيلة لا جريمة.
هذا الاستكبار ليس عسكريًّا فحسب، إنما هو منظومة تحاول هدم فطرة الإنسان وقيمه، وإحلال قانون الغاب محل شرائع السماء.
إن مَن يمشي في الأرض جبارًا، يظن أن “التكنولوجيا” تمنحه حق تأليه الذات، هو في الحقيقة أعمى البصيرة؛ غرتْه قوة هي في جوهرها “ضعف مستتر”، وسلطان هو في مآله “زوال منتظر”.
كيف لعاقل أن يحسب الصلف مجدًا؟ وكيف لظالم أن يركن إلى سلاح هو في غده وبال عليه؟
هذه هي معادلة النصر القادمة؛ قومٌ استبدلوا حُبَّ الدنيا بحب الله، ورأوا في الجهاد وسيلة للبناء لا للخراب.
إن الشعوبَ اليوم مدعوة لتكون جزءًا من هذا “النور المشي بين الناس”، بالوعي أولًا، وبالوحدة ثانيًا، وباليقين ثالثًا.
إن الهزيمة النفسية هي أخطر معاول الهدم، والوعي بالحق هو أول لبنة في صرح البناء.
لقد باعت الصهيونية ومن والاها سعادة الأبد بعبث زائل، وظنوا أنهم بعتادهم يطاولون السماء، وهم في حقيقتهم يهوون إلى الهاوية.
أما المرابطون في ثغور العزة، فهم الذين يكتبون بدمائهم وصبرِهم وبنائهم فصلًا جديدًا من فصول السيادة الإلهية على الأرض، مصداقًا لقوله تعالى: {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.