الثورة الزراعية والتنمية القرآنية

في قصيدة (تسابيح المفارس) للشاعر/ عبدالله الجرفي

البيضاء نت | مقالات 

بقلم / إبراهيم محمد الهمداني

ارتبط مفهوم الثورة بمفردات الحياة السياسية وأحوالها المختلفة، بوصفه إحدى وسائل التغيير الجذري من الوضع السائد إلى الوضع المأمول، سياسياً واجتماعياً وثقافياً ….إلخ، والثورة بوصفها فعلا حركياً ونشاطاً نخبوياً أو شعبياً، لا تعدو كونها تعبيراً صارخاً عن حالة الرفض، والرغبة الجامحة في الانعتاق من قيود الواقع، إلى فضاءات المستقبل المنشود، سواءً كانت ثورة عسكرية مسلحة، أم ثورة سلمية بيضاء، وهي في عموم توصيفها ترتبط في الذهن ارتباطاً مباشراً، بالجانب العسكري القتالي، ونظراً لارتباط هذا الجانب بنظيره السياسي، بوصفه ميدان تحرك واشتغال الثورة، أصبحت هذه الأخيرة أكثر التصاقاً به. 

وبفعل الانزياح التداولي، اتسع نطاق استعمال مصطلح الثورة، ليشمل الاقتصاد والثقافة والمعرفة وغيرها، ليعبر في مختلف تشكلاته، عن حالة التغيير الحاصل، وصور المستقبل المنشود، وفق رؤية تطورية نهضوية، مرسومة سلفاً، ويمكن القول أن  الثورة الاقتصادية/ التنموية، كانت أقل أشكال التعبير الثوري، حضوراً على مستوى الساحة العربية، مقارنة بتكرار حدوث الثورات السياسية العسكرية، التي كانت – في معظم حالاتها – عبارة عن صراع سياسي داخلي، يُدار بأيادٍ خارجية، وبإشراف القوى الاستعمارية العالمية، ولذلك تعددت الثورات والانقلابات والحكام، دون أن تتغير الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية وغيرها، بل كانت تنتقل في سيرورتها التاريخية، من سيء إلى أسوأ.

يمكن القول أن حالة الصمود والثبات والتحدي والرفض، التي رسمها اليمنيون في مواجهتهم لتحالف العدوان العالمي – 26 مارس 2015م، الذي مازالت مفاعيله إلى اليوم، رغم خفض التصعيد – ما هي إلا صورة ثورية شعبية عارمة، بلغت بها حكمة القيادة الثورية الربانية، أعلى مراتب النجاح والثبات والاستمرار والقوة، لأنها بنيت على مشروع حياتي شامل، مستمد من التوجيهات الإلهية، في محدداتها القرآنية، ومن أهم سمات المشروع القرآني، كما يقول السيد القائد – يحفظه الله – إنه مشروع نهضوي واقعي، وهو ما أثبتته استراتيجيات المشروع النهضوي المقاوم، في شموليته كل جوانب الحياة، واختزله شعار “يد تحمي ويد تبني”.

حضر الشعر في ميدان معركة المواجهة والتحرر والاستقلال، كفن تعبيري قولي ثوري، يحمل الكثير من المضامين الثورية، المشفوعة بأساليب التأثير والإقناع، والتحفيز والتشجيع على المواجهة والتحدي، وقد تميز الشعر الجهادي المقاوم في اليمن، بسمات فنية وموضوعية فارقة، في تاريخ الخطاب الشعري المقاوم عموما، وليس ذلك فحسب، بل شهدت الساحة الثقافية والإبداعية اليمنية، بداية تشكل وانطلاق ظاهرة إبداعية جديدة، أضافت مجالاً جديداً إلى مجالات الأدب والإبداع، ممثلاً في ظاهرة (الأدب التنموي)، كما أطلق عليها المهندس/ محمد حسن المداني، المدير التنفيذي لمؤسسة بنيان التنموية، وكان لي شرف إعادة النظر في ملائمة التقنين المصطلحي، ووضع الأسس الفلسفية والنظرية، الخاصة بهذه الظاهرة، التي جاءت استجابة لمقتضيات الضرورة توظيف ممكنات الأدب التعبيرية والقولية، في خدمة المسار التنموي، كما هو الشأن في توظيفها في المسار العسكري المقاوم، وبعون الله تعالى وتوفيقه، تم إنجاز التقنين المصطلحي والتأصيل النظري، لنظرية الأدب التنموي، في تعديلاتها المستمرة من عام 2020م إلى عام 2023م، على أمل إخراجها في كتاب خاص، إن شاء الله تعالى في أقرب وقت ممكن.

بدأت تباشير هذه التجربة الإبداعية الجديدة (الأدب التنموي)، تتشكل بغزارة في مجال الشعر، وفي مجال السرد بوتيرة أقل، ثم في مجال النص البصري بمستوى أقل من ذلك، وقد وُثِّقَتْ أوليات هذه الظاهرة في صحيفة “بنيان التنموية” الشهرية، الصادرة عن مؤسسة بنيان التنموية، وكانت أول صحيفة تنموية متخصصة، تضمنت – أيضا – ملحقا عن (الأدب التنموي)، توقفت بعد صدور العدد الثالث منها عام 2022م، رغم أن الضرورة ومقتضيات المرحلة، كانت تستوجب إيجاد منبر إعلامي تنموي متخصص، ولكن ذلك التوقف للصحيفة الوليدة، لم يحل دون استمرار تنامي ظاهرة الأدب التنموي، على صعيد الإنجاز التعبيري الإبداعي، وهو ما أعطاها صفة الظاهرة الأدبية، في تشكلها التدريجي التصاعدي الطبيعي، بما يجعلها تستوعب معطيات واقعها، وتعبر عنه أصدق تعبير، وتحمل رؤيتها الخاصة للمستقبل، وطابعها الفني الإبداعي الخاص، والنص الذي بين أيدينا، يمثل إحدى تجليات الشعر التنموي في مجال الزراعة، مستغلاً كل الممكنات التعبيرية والفنية، التي يمكن أن يقدمها البناء الشعري.

(تسابيح المفارس)

يقدم العنوان بنية تعبيرية مغايرة، تتجاوز المألوف الواقعي، إلى المتخيل الشعري، وعلاوة على ما يختزله العنوان، من طاقات تعبيرية هائلة، وممكنات وصفية اختزالية، واقتصاد لغوي، ومحمولات دلالية متفجرة لا نهائية، فهو أيضاً يسعى – من خلال تموضعه الوظيفي العام – إلى تحقيق مستوى معرفي متقدم، وإيجاد واقع بديل، يتجاوز سلبيات الواقع الراهن وإخفاقاته، وعادة ما يتميز العنوان بتموضعه التركيبي الصادم.

يتركب هذا العنوان من حقلين دلاليين مختلفين، أولهما الحقل الديني والطقوس والشعائر التعبدية، تدل عليه كلمة (تسابيح)، وثانيهما :- الحقل الاجتماعي والأنشطة الحياتية الإنسانية، الذي تدل عليه (المفارس) المعاول المستخدمة لتقليب الأرض، وممارسة أنشطة الزراعة، وبالنظر إلى المبنى التركيبي العنواني، نجد أنه قد أنسن الجماد، ومنحه فعل التسبيح، وممارسة الطقس التعبدي؛ الذكر والتسبيح في صيغته الدالة على الكثرة والتكرار المتواتر (تسابيح)، مشيراً إليها بتحقق وجودها، كخبر لمبتدأ محذوف، تقديره، هذه تسابيح المفارس، تخصيصاً وإشهاراً وتأكيداً؛ ولكن إذا كان التسبيح – بوصفه أعظم أنواع الذكر – فعلاً إنسانياً محضاً، يتقرب به الإنسان إلى خالقه، وإذا كانت (المفارس) أداة رئيسية، من الأدوات التي يستعين بها الإنسان، في القيام بمختلف الأنشطة الزراعية، فما دلالة توظيف (المفارس) في مقام الفاعل، ونسبة التسبيح إليها، دون حاملها الناطق بها؟

يمكن القول أن (المفارس) قد انطلقت في عملية التنمية الزراعية ولم تعد منتظرة الإنسان/ الفاعل أو أنها قد اكتسبت القدرة على الفعل (التسبيح) بالمصاحبة وطول التلازم ، فكما أن صاحبها/ المزارع يبتهل إلى الله أثناء عمله، حامداً شاكراً مسبحاً، أصبحت هي كذلك، لا فرق عندها بين طقوس العبادة والذكر، وطقوس الزراعة والعمل، تلك هي حالة الإنسان اليمني، في جميع ممارساته لأنشطته الحياتية، وخاصة الزراعية منها.

سرى بي الهاجس وشليت البياضة والقلم
شفت النقوش الحميرية في حجر صورع وصم
شيد قلاع التنمية والحصن من قبل الحرم
ولو بحثنا في المجال التنموي منذ القدم
لا كان معهم نفط يتنقب ولا معهم رزم
واستثمروا طاقاتهم كلين شمر واحتزم
كانت يريم الاكتفاء الذاتي مخازين الحطم

وهمت في الوادي ذي الشاعر في ارجائه يهيم
تاريخ ذي ريدان في المسند من العصر القديم
بسط نفوذه يوم دار الشرق الأوسط من يريم
سدود يحصب شاهدة والنجد شوفه ياحليم
شادو صروح التنمية بالفكر والعقل السليم
وما صنع تاريخه إلا بالمفارس والشريم
ترابها منجم ذهب والعقل سلطان الحكيم

يستهل الشاعر خطابه بأسوب مباشر، يصف حالته حين أراد تناول موضوع قصيدته، من خلال الهاجس/ الخيال، الذي هو مادة الشعر والإبداع، إضافة الى تكريس المنظور القرآني للشعر، والتناص مع قوله تعالى عن الشعراء، إنهم في كل وادٍ يهيمون، دلالة على ابتعادهم عن الواقع، لكن تلك لم تكن إلا نقطة انطلاق الشاعر في رحلته، إلى فضاءات التنمية عبر التاريخ، لتحضر (النقوش الحميرية) المتموضعة في (حجر صورع وصم)، بما تحمله من مدلولات القوة والعظمة، والقدرة على البقاء، رغم عاتيات الزمن، إضافة إلى حضور (تاريخ ذي ريدان في المسند من العصر القديم)، لتأكيد عظمة الحضارة اليمنية القديمة، وخلودها عبر الأزمنة، وبالتالي تأكيد ما وراء ذلك من قصدية الشاعر، بأسبقية الحضارة والتنمية اليمنية، من قبل تشييد الأهرامات، وعظمة النفوذ السياسي اليمني القديم، الذي ملك الشرق والغرب، وأدار مملكته المترامية الأطراف من مدينة يريم، وذلك الإرث التاريخي الحضاري السياسي، يوازيه إرث تنموي وأسبقية نهضوية عريقة، تشهد لها(سدود يحصب) والحليم تكفيه الإشارة والشواهد لا تعد ولا تحصى، مؤكداً في هذا السياق، أن وسيلة الأسلاف، لم تكن آبار النفط، ولا النقود والأموال الطائلة (رزم)، مجهولة المصدر، وإنما (شادوا صروح التنمية بالفكر والعقل السليم)، (واستثمروا طاقاتهم) بالمبادرات المجتمعية، وتوحيد الجهود والطاقات نحو التنمية الشاملة، وتحقيق الإنجازات العظيمة والتاريخ الخالد، باستثمار الممكن والمتاح والمتوفر (بالمفارس والشريم)، يتحقق بعد ذلك الاكتفاء الذاتي، كاستراتيجية تنموية، جعلت من يريم (مخازين الحطم)  بما تحمله مدلولات جمع الكثرة (مخازين) في تموضعها التداولي الشعبي، وتحظر الأرض(ترابها منجم ذهب) في تموضعها الزراعي، غزير الإنتاج، وفير الأرباح، خاصة أن تمت إدارتها بحكمة، ومعرفة.

شهَّر بها الفكر المدجن في زمن كيل التهم

ثور الشصير خلا اليمن تركن على سبغ القصيم

كان كلما يلتم جاهم خير والراعد دكم

ياكل محاصيل الرعية واصبحت مثل الصريم

في كل وادي نفذ الخاين قرارات الأمم

قال الرعية من نشارع لا قد القاضي غريم

ينتقل الشاعر من الزمن الماضي، واسترجاع المجد القديم، بكل ما يحمله من حضارة وقوة ونهضة تنموية شاملة وسيادة واستقلال، إلى الزمن الحاضر والواقع المزري، الذي نتج عن تعميم (الفكر المدجن)، وما تسبب به (ثور الشصير)، الذي نطح طموحات الشعب ونهضته، و(خلَّا اليمن تركن على سبغ القصيم)، كناية عن استجابة الرئيس الأسبق الخائن عفاش، لمشاريع المستعمر الغربي وسياسات مملكة الشر السعودية، الهادفة إلى تدمير كل مظاهر الزراعة والتنمية في اليمن، والاعتماد على المساعدات المقدمة من تلك الدول، مشيراً بقوله (سبغ القصيم) إلى المثل اليمني المشهور (من ركن على سبغ الناس أكلها يابسة)، ولم تتوقف المشاريع الخيانية عند ذلك الحد، بل وصلت إلى حالة الهدم الممنهج لمشاريع الزراعة الفردية – ناهيك عن تعطيل المشاريع الحكومية – والتسلط على محاصيل (الرعية) وإهلاك مزارعهم، (واصبحت مثل الصريم)، في توظيف بديع للتناص القرآني تركيباً ودلالة، وصولاً إلى تعميم سياسة البنك الدولي، وسياسات الأمم المتحدة، القاضية بتدمير الزراعة نهائياً، وفي هذا السياق يتساءل الشاعر على لسان الرعية، (قال الرعية من نشارع لا قد القاضي غريم)، مستغلاً مدلولات المثل الشعبي، (إذا قد غريمك القاضي من عاد تشارع)، المؤكدة على استحالة الصلاح، إذا فسد ولاة الأمور وقادة الأمة.

واليوم قد ربي رحمنا وانطوى ليل الظلم
النصر والتمكين برقه لاح والجمع انهزم
حرب الموايد في بلادي قد حسمها ذي حسم
الحرب في ساح الوغى ما قزَّمت غير القزم

وجا ابن بدرالدين نوره بدد الليل البهيم
وشبل حيدر في ثراها مرغ الحلف اللئيم
وجمَّل الباري وقع للتيه طعنه في الصميم
والوقت يا روح العطا ما يغدر إلا بالغشيم

ينتقل  الشاعر من ذلك الواقع المأزوم، الذي أفرزته القيادة الخائنة العفاشية، باستجابتها المطلقة لسياسة المستعمر، وخططه وأهدافه، حتى وإن كان الثمن تدمير اليمن أرضاً وإنساناً، وبعد طي صفحة ذلك الخائن، تحول الحال (واليوم قد ربي رحمنا)، ومن أجلى مظاهر رحمته، أن أنعم علينا بهذا القائد الرباني الحكيم الملهم، الرحيم بنا العطوف علينا، (ابن بدرالدين) الذي بدد بنور إيمانه وصدقه وعطفه ليل الظلم والضياع، ليتحقق على يديه (النصر والتمكين) و(الجمع انهزم)، في تناص قرآني بديع، يحضر من خلاله السيد القائد (شبل حيدر)، مذكراً بعظمة ومواقف جده أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وتمريغه لأحلاف الطغاة والمجرمين، في مستنقعات الهزائم النكراء، ومن مظاهر التأييد الإلهي، لهذا القائد الرباني، أنه استطاع حسم (حرب الموايد)، الحرب الاقتصادية، التي هي بطبيعتها أشد خطر وفتكاً من الحرب العسكرية، كما يقول حكيم اليمن، علي ولد زايد (يقول علي ولد زايد ….. الحرب حراً وبارد، فبارده ضرب بالسيف.. والحر حرب الموايد)، وفي حسمها أهمية كبيرة، في سبيل تحقيق الاستقلال السياسي، عبر الانتصار على التبعية الاقتصادية، وتحقيق الاكتفاء الذاتي.

واليوم يا شعب اليمن قدامنا جبهة أهم

نخوض جبهة تنموية حسمها منجز عظيم

واول بشارة خير توجيهات قايدنا العلم

من اوليات اهتمامه بالزراعة والتليم

حي على خير العمل حي على شحذ الهمم

من حاجته في يد عدوه ذلَّه افهم يا فهيم

قال المثل يا اصحابنا به تحت كل اظفور دم

لازم نقاطع ذي قصفنا واحرق الطفل الفطيم

تحتل الجبهة التنموية أهمية كبيرة، توازي أهمية الجبهة العسكرية، وربما أهم منها بكثير، وهي بحاجة إلى تكاتف الجهود وشحذ الهمم، والعمل على تنفيذ توجيهات القائد العلم (يحفظه الله) الذي جعل الزراعة، من أوليات اهتماماته، لما سبق ذكره، من تحقيق أسباب النصر والتمكين، ضمن استراتيجيات متعددة، في مقدمتها السعي نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي – كما يقال من الإبرة إلى الصاروخ – وكذلك مقاطعة المنتجات والبضائع، القادمة من بلدان أعدائنا، على الأقل من باب الحمية والغيرة، وأن لا ندعم بأموالنا (ذي قصفنا واحرق الطفل الفطيم).

يقدم هذا النص صورة حية، لنموذج النص الشعري التنموي في أبهى تجلياته، رغم بساطة لغته وخطابه المباشر، إلا أنه قد أجاد التوصيف والتوظيف، لمفردات التنمية الزراعية، سواءً من حيث التذكير بالإرث التاريخي، أو من حيث توظيف الموروث الزراعي، من أمثال وحكم وأقوال مشهورة، أو عادات وتقاليد وأعراف خاصة بالمجتمع الزراعي، مثل (الجايش والغرم والطراحة)، وكذلك إجادته توظيف التناص، مع نصوص  القرآن الكريم والحديث الشريف وغيرها، ليشكل هذا النص وغيره من النصوص الشعرية التنموية، اللبنات الأولى في مداميك النص الشعري التنموي خاصة، والأدب التنموي عامة.