أمةٌ بلا موقف.. كيف تحوّل الصمت إلى عقيدة في زمن المجازر؟
البيضاء نت | مقالات
بقلم / محمد فاضل العزي
لم تعد المأساة الكبرى في هذا العصر هي حجم المجازر التي تُرتكب، ولا اتساع النفوذ الأمريكي والإسرائيلي في المنطقة، بل في ذلك الصمت الثقيل الذي يخيّم على أُمَّـة كاملة، وكأن الدم العربي والإسلامي تحوّل إلى مشهد اعتيادي لا يوقظ غضبًا ولا يصنع موقفًا.
في غزة، تُهدم الأحياءُ فوق رؤوس سكانها، وتُباد عائلات بأكملها تحت سمع العالم وبصره.
وفي لبنان واليمن والعراق وإيران، تتواصل مشاريعُ الاستنزاف والحصار والقتل، بينما تقف جماهير الأُمَّــة في حالة شلل نفسي وفكري غير مسبوقة، تراقب الأحداث كما لو أنها تجري في عالم بعيد لا يمس حاضرها ولا مستقبلها.
الأخطر من الهزيمة العسكرية، هو أن تُهزم الأُمَّــة من داخلها؛ أن تفقد قدرتَها على التفاعل، وأن يتحوَّلَ الوعيُ الجمعي إلى حالة من التبلد المزمن، حتى يصبح الموقفُ الصريح من الظلم تهمة، والكلمة الحرة مغامرة، والبراءة من الطغيان فعلًا استثنائيًّا يحتاج إلى شجاعة نادرة.
فالقضية لم تعد مُجَـرّد صراع سياسي بين دول ومحاور، بقدر ما هي معركة على معنى الإيمان نفسه: هل الإيمان مُجَـرّد مشاعر صامتة تسكن القلب؟ أم أنه موقف أخلاقي يفرض على صاحبه أن ينحاز للحق مهما كانت الكلفة؟
هذا السؤال هو ما يكشف اليوم حجم الأزمة الحقيقية التي تعيشها الأُمَّــة؛ أزمة وعي، وأزمة موقف، وأزمة جيل تربّى طويلًا على ثقافة الخضوع أكثر مما تربّى على ثقافة المواجهة.
من الكراهية الصامتة إلى الموقف الغائب
في زمنٍ تتهاوى فيه المعايير، لم يعد السؤال الحقيقي:
«هل تكره كِيان الاحتلال أَو أمريكا؟»
بل: أين موقفك من كُـلّ ما يحدث؟
فالكراهية التي لا تتحول إلى موقف، مُجَـرّد انفعال عابر.
والعداء الذي لا يُترجم إلى كلمة حق، أَو موقف واضح، أَو وعيٍ مقاوم، ليس سوى شعورٍ خامد لا يربك عدوًا ولا يوقظ أُمَّـة.
لقد تحوّل الرفض في العالم العربي والإسلامي إلى حالة صامتة؛ ملايين يعلنون رفضهم للهيمنة الأمريكية والسياسات الإسرائيلية، لكن القليل فقط يمتلك الجرأة لرفع صوته علنًا، وكأن الأُمَّــة أُعيد تشكيل وعيها لتؤمن أن الصمت حكمة، وأن الحياد نجاة، وأن الخضوع شكلٌ من أشكال العقلانية السياسية.
حين يصبح الإيمان مواجهة لا شعورًا داخليًا
غير أن التاريخَ الديني والإنساني لم يُكتب بهذه الطريقة.
فالقرآن، في أكثر مشاهده تأثيرًا، لم يقدم الإيمان بوصفه حالة قلبية معزولة عن الواقع، بل باعتبَاره موقفًا مكلفًا وصداميًّا في كثير من الأحيان.
أهل الكهف لم يكونوا مُجَـرّد مؤمنين مختبئين في زوايا الخوف، بل شبابًا وقفوا في وجه منظومة كاملة، في لحظة عامة ومهيبة، ليعلنوا براءتهم من الطغيان والوثنية.
كانت لحظة مواجهة مباشرة مع السلطة والمجتمع معًا، لحظة دفعتهم لاحقًا إلى الكهف، لكنها صنعت خلودهم في الوعي الإنساني.
أهل الكهف ومؤمن آل فرعون: الإيمان الذي يُعلِن نفسَه
ومؤمن آل فرعون لم يكتفِ بإيمانٍ صامت داخل القصر.
لقد وقف في قلب المؤسّسة الفرعونية، وسط جبروت السلطة، ليطلق كلمة حق مدوية وهو يعلم أن الثمن قد يكون حياته.
وكذلك مؤمن أهل القرية، الذي تقدم وحده في مواجهة قومه، مدركًا أن الطريق إلى الحقيقة قد ينتهي بالموت، لكنه اختار أن يقولها.
في كُـلّ تلك النماذج، لم يكن الإيمان فكرة جامدة، بل حالة اشتباك أخلاقي مع الباطل.
غزة تكشف هشاشة الوعي العربي والإسلامي
ومن هنا يبرز السؤال المؤلم: كيف وصلت أُمَّـة يتجاوز تعدادُها المليار إلى هذا المستوى من البرود تجاه ما يجري في غزة ولبنان واليمن والعراق؟ كيف أصبحت المجازر اليومية تمر على الوعي الإسلامي كأنها أخبار اعتيادية في شريط عاجل لا أكثر؟
غزة اليوم لا تُباد بالصواريخ فقط، بل بصمت العالم أَيْـضًا.
العدوّ الصهيوني لا يراهن على تفوقه العسكري وحده، بل على تفكك الوعي العربي والإسلامي، وعلى نجاح مشروع طويل المدى عمل على تحويل الأُمَّــة من كيان حيّ يمتلك رد فعل، إلى كتلة بشرية ضخمة فاقدة للإرادَة.
كيف أُعيد تشكيل العقل المسلم ليؤمن بالصمت؟
ولهذا لم تكن أخطر المعارك هي المعركة العسكرية، بقدر ما هي معركة إعادة تعريف الدين والوعي والموقف.
خلال عقود، جرى إنتاج خطاب ديني منزوع الدسم السياسي والأخلاقي، يختزل الإسلام في الطقوس الفردية، ويعتبر أي موقف من قضايا الأُمَّــة نوعًا من “الفتنة” أَو “الخروج عن الحكمة”.
خطاب أعادت الأنظمة إنتاجه عبر الإعلام والتعليم والمنابر، حتى نشأت أجيال ترى الصمت فضيلة، والخضوع استقرارا، والحياد نجاة.
إسلام الطقوس في مواجهة إسلام الموقف
وهكذا وُلد ما يمكن تسميته بـ«إسلام الخنوع»؛ إسلام لا يغضبُ لمجزرة، ولا يتحَرّك لحصار، ولا يرى في الاحتلال إلا ملفًا سياسيًّا معقدًا يجب تجنب الحديث عنه.
لكن النص القرآني نفسه يهدم هذا النموذج البارد من التدين.
ففي أواخر سورة البقرة، يبدأ المشهد بالإيمان:
﴿آمن الرسول بما أُنزل إليه من ربه والمؤمنون﴾
ثم لا يلبث أن يتحول إلى موقف ومواجهة ودعاء بالنصر:
﴿وانصرنا على القوم الكافرين﴾.
إنه انتقال واضح من العقيدة إلى الحركة، ومن الإيمان إلى الفعل، ومن التصديق إلى الاصطفاف الأخلاقي.
العدوّ يخشى الوعي لا الأعداد
إن أية أُمَّـة لا تمتلك موقفًا من الظلم، لا يمكنها أن تدّعي امتلاكَها للحياة.
فالصمت الطويل لا يصنع سلامًا، بل يصنع قابلية دائمة للهزيمة.
وما تحتاجه الأُمَّــة اليوم ليس مزيدًا من الخطب العاطفية، بل استعادة الوعي بطبيعة الصراع، وبأن المعركة الحقيقية تبدأ حين يتحول الإنسان من متفرج إلى صاحب موقف، ومن رقم صامت إلى صوت يعلن انحيازه للحق مهما كان الثمن.
فالطغاة لا يخشون الجيوشَ بقدر ما يخشون يقظة الشعوب.
أمة المليار أمام سؤال المصير
في اللحظات المصيرية من تاريخ الأمم، لا يُسأل الناس عمّا كانوا يشعرون به، بل عمّا فعلوه حين كانت الدماء تُسفك، والمدن تُحاصر، والحقائق تُذبح أمام أعين العالم.
فالتاريخ لا يخلّدُ الصامتين، ولا يكتُبُ أسماءَ الذين اكتفوا بالمشاهدة، بل يحتفظ فقط بأسماء الذين امتلكوا شجاعة الموقف عندما كان الصمت أكثر أمانا.
اليوم، لا تواجه الأُمَّــة مُجَـرّد حرب عسكرية، بل تواجه مشروعًا متكاملًا لإخماد روحها، وتجريدها من قدرتها على الغضب، وتحويلها إلى جماهير مستهلكة للألم، تتعايش مع المذابح كما تتعايش مع نشرات الطقس والأخبار اليومية.
وحين تفقد الأُمَّــة قدرتَها على الغضب للحق، فإنها لا تخسر معركة سياسية فحسب، بل تخسر جزءًا من إنسانيتها ووعيها ورسالتها التاريخية.
إن أخطرَ ما حقّقه المشروعُ الصهيوني والغربي ليس احتلالَ الأرض وحدَه، بل نجاحه في دفع قطاعات واسعة من الأُمَّــة إلى الاقتناع بأن العجز قدر، وأن الصمت حكمة، وأن الاستسلام نوع من الواقعية.
لكن الحقيقة التي أثبتها التاريخ دائمًا، أن الشعوب لا تُهزم حين تضعف عسكريًّا فقط، بل حين تُهزم من الداخل، حين تفقد إيمانها بقدرتها على التأثير، وحين تتحول من أُمَّـة تمتلك موقفًا، إلى جمهور ينتظر مصيره بصمت.
ولهذا، فإن المعركة الحقيقية تبدأ من استعادة الوعي، ومن إعادة تعريف الإيمان بوصفه موقفًا لا مُجَـرّد شعور، وحضورًا لا حيادًا، ومسؤولية لا هروبًا.
فالأمم التي تصمت طويلًا قد تنجو مؤقتًا من المواجهة.. لكنها لا تنجو من السقوط.